نشوب أزمة سياسيّة بين الحكومتين العراقيّة واللبنانيّة
في هذه الفترة كانت العلاقات السياسيّة بين العراق ولبنان آخذة في التأزّم ، وقد كانت حجّة العراق أنّ الصحف اللبنانيّة تهاجم في كتاباتها الثورة العراقيّة . وقد تفاقم الأمر حتّى منعت الحكومة العراقيّة العراقيّين من المجيئ إلى لبنان ومنع ( الترانزيت ) عبر مرفأ بيروت ، ثمّ منعت استيراد البضاعة اللبنانيّة « 1 » .
فوجئ المسؤولون اللبنانيّون وخاصّة الرئيس شارل الحلو بطلب الحكومة العراقيّة في 30 / 8 / 1969 م ( 16 / جمادى الثانية / 1389 ه - ) « 2 » من جميع رعاياها الموجودين في لبنان وعددهم خمسة عشر ألفاً مغادرته خلال أربع وعشرين ساعة ، في الوقت الذي تبذل الدولة اللبنانيّة مساعيها لإزالة العقبات والعراقيل التي اعترضت البلدين وأدّت إلى نشوب الأزمة .
ففي الحادية عشرة قبل ظهر يوم السبت 30 / 8 / 1969 م قام السفير العراقي في بيروت بزيارة الرئيس رشيد كرامي وأبلغه نصّ البرقيّة التي تلقّاها من حكومته بشأن التدبير الجديد ، فسأله رئيس الحكومة المكلّف عن الأسباب الجديدة التي دعت حكومته إلى اتّخاذ هذا ( التدبير الخطير ) ، فأجابه السفير أنّه على الرغم من إرسال وفدٍ لبنانيٍّ رسميٍّ إلى بغداد لتسوية الأزمة ، فإنّ لبنان لا يزال يتّبع سياسة عدائيّة تجاه العراق ممّا اضطرّ الحكومة العراقيّة إلى أن تُقدم على هذه الخطوة . ولمّا استوضحه كرامي دلائل العداء في سياسة لبنان ، طرح السفير مجدّداً قضيّة الصحافة اللبنانيّة وما وصفه ب - ( الحملات الجائرة ضدّ نظام الحكم في العراق ) وازدياد هذه الحملات بعد عودة الوفد اللبناني من بغداد .
وقد استغرب كرامي وقال للسفير : إنّه يواظب على مطالعة الصحف يوميّاً وإنّه لم يقرأ في المدّة الأخيرة أيّ تعليق أو خبر في هذه الصحف يتناول العراق ونظام الحكم فيه من قريبٍ أو بعيد . وأضاف رئيس الحكومة المكلّف أنّه حتّى في حال وجود مثل هذه الحملات في بعض الصحف فإنّها لا تستوجب اللجوء إلى تدبيرٍ خطيرٍ من هذا النوع بين دولتين شقيقتين ، خاصّةً أنّه يمكن معالجة القضيّة بطرق قانونيّة . وسأل كرامي السفير لماذا لم تطلب حكومته - كما هي الأعراف بين
أيّة دولتين - ملاحقة الصحف التي يعتبر المسؤولون العراقيّون أنّها تعرّضت لهم وتحاملت عليهم وعلى نظام الحكم ، ولم يغفل كرامي الإشارة إلى أنّ الصحف التي تؤيّد العراق وسياسته ونظام الحكم فيه هي أكثر بكثير من تلك التي تقف ضدّه .
إلّا أنّ السفير - على الرغم من ذلك كلّه - لم يكن يملك غير تبليغ رئيس الحكومة المكلّف برقيّة حكومته التي صدر على أساسها البيان الآتي :
« بيانٌ من السفارة العراقيّة في بيروت إلى جميع المواطنين العراقيّين في لبنان :
بناءً على ما تقتضيه مصلحة وطنكم الذي تحرصون على التضحية من أجله ، هذا الوطن الذي يتعرّض لحملات الاستعماريّين والرجعيّين ، بينما يقف جيشه صامداً على الجبهة الشرقيّة ينتظر اللحظة الفاصلة .
هامش
( 1 ) انظر الوثيقة رقم ( 103 )
( 2 ) ورد في صحيفة ( النهار ) الصادرة بتاريخ 31 / 8 / 1969 م أنّ قرار الحكومة العراقيّة كان ( أمس ) .