ولعل هذه الحالة من الانكماش من المعطيات التنظيمية للإنسان الأوروبي ، وتلك الحساسية وذلك القلق تجاها ، هو الذي جعل عدداً من التكتلات السياسية في العالم الإسلامي ، تفكر في اتخاذ القومية فلسفة وقاعدة للحضارة والتنظيم الاجتماعي .
ولكن ، لّما لم تكن القومية أكثر من رابطة تاريخية ولغوية ، وجدت نفسها بحاجة إلى الأخذ بوجهة نظر معينة تجاه الكون والحياة ، وفلسفة خاصة تقيم على أساسها تنظيمها الاجتماعي . ومن هنا ، أدرك القيّمون على القومية عقمها كمادة خام ، عن تحقيق ما أمّلوه فيها ، فابتكروا مقولة ، توهموا انها قدر جامع بين أصالة الشعار الذي رفعوه وانفصاله عن الإنسان الأوروبي ، فنادوا بالاشتراكية العربية ! ؟
ولكن هذا النوع من الإشتراكية ، ما هو إلا نفس النظام الاشتراكي من الناحيتين الفكرية والتاريخية ، وجاء توصيفها بالعربية ، من قبيل ذر الرماد في عيون الأمة ، واستغفال حساسيتها . لأنه لم يلعب أي دور في مجال تطويرها كفلسفة معينة للتنظيم الاجتماعي ، بل كل ما أنتجته من خلال التطبيق بإضافة العامل العربي ، انه أصبح يعني ، استثناء ما يتنافى من الإشتراكية مع التقاليد السائدة في المجتمع العربي ، كالنزعات الروحية ، بما فيها الإيمان بالله . وهذا الاستثناء ، لا يغيّر جوهر القضية ، والمحتوى الحقيقي للشعار ، ولذا يمكن توصيف الاشتراكية بالتركية والفارسية وغيرهما .
ومن هنا ، فشلت الأنظمة العربية التي طرحت هذا الشعار ، في تقديم مضمون جديد ينسجم مع الأمة في تاريخها ومحتواها النفسي .
وهنا ، نذكّر بما عرضناه قبل قليل ، من أنه لا بد لتنمية الأمة من نظام اجتماعي ، ينسجم مع الظروف الموضوعية ، والتركيبة
اقتصادنا ( تلخيص وتوضيح ) — صفحة 13
مساهمون: الشيخ محمد جعفر شمس الدين
ص١٣