أمره - لا مناص من الجزم به ، وقع به رواة وقنوات النقل بين حلقات
الزمن الغابر من جهة ، وبين الصفحات التي تسطرها أيدي أولئك الكتاب
الخاضعين للموثرين السابقين من جهة أخرى ، فكان ما نراه من مؤلفات
وأسفار عجزت من أن تكون صادقة النقل ، وأمينة السرد ، ودقيقة الاستشراف .
نعم ، فان من يتأمل في حقيقة مناهج الرواد الأوائل ، والحقبة الزمنية
التي عاصروها والمتمخضة عن المتبنيات الفكرية التي نادت بها السلطة
الحاكمة ، والتي وافقت أو أقسرت أولئك الرواد على تتبع خطواتها ،
وتجنب حدودها ، كل ذلك يظهر بجلاء صواب وحقيقة ما ذهبنا إليه من
تركيز المنهج الخاطئ في صياغة الحلقات الأساسية التي ارتكز عليها البناء
المعروف للتأريخ الاسلامي بروافده المتكاثرة المتفرعة عنه .
فإذا عرفنا بان المدينة المنورة كانت هي الموطن الأساس
الذي اختص بالتأليف في المغازي قبل القرن الثاني للهجرة ، فان جيلا
من المؤلفين والمصنفين المشخصين قد تصدوا لوضع الحجر الأساس
في كتابة التأريخ الاسلامي بالكيفية التي أشرنا إليها ، منهم :
عروة بن الزبير المتوفى عام 93 ه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) لا يخفى على أحد موقف عروة من أهل البيت عليهم السلام
توافقا مع موقف أبيه وأخيه
عبد الله ، حتى أنه نقل عنه مبادرته للخروج مع أصحاب الجمل لقتال علي عليه
السلام ولكنه منع من ذلك لصغر سنه .
بل وكان أيضا من أشد المؤيدين لخالته عائشة ، والمتحمسين لمواقفها من علي
وأهل بيته عليهم السلام من جانب ، ومن المنحازين إلى جانب الأمويين في أمورهم
وأفعالهم من جانب اخر ، حتى أنه قد نقل عنه موقفه المؤيد لعبد الملك بن مروان
في حربه مع أخيه عبد الله ، كما يذكر ذلك المسعودي في مروجه ( 3 : 113 ) حيث
يقول : وكان عروة بن الزبير على رأي عمه عبد الملك ين مروان ، وكانت كتب
عبد الملك بن مروان إلى الحجاج متصلة يأمره بتعاهد عروة ،
وأن لا يسوءه في نفسه
وماله ، فخرج عروة إلى الحجاج ، ورجع إلى أخيه فقال له : هذا خالد بن عبد الله بن
خالد بن أسيد ، وعمرو بن عثمان بن عفان يعطيانك أمان عبد الملك على ما
أحدثت أنت ومن معك ! ! .
وللمرء أن يتصور انصياع هذا الرجل لعبد الملك وحكومته حتى في مخالفته
لأخيه واتهامه بالاحداث ، مع ما يعرف عن عبد الملك من فساد وانحراف وحدة
طبع وميل إلى الدماء ، كيف انه لا يكون منقادا للسياسة الأموية في تحريف التأريخ
وكتم الكثير من حقائقه ، وبالذات منها ما كان متعلقا بأهل بيت العصمة عليهم
السلام
أصحاب الحق الذي انتزعه منهم الأمويون .