ادماجها في حديث واحد ، حيث فتح الباب على مصراعيه لتسرب الأخبار
التي يدسها غير الموثوق بهم من المحدثين .
ومحمد بن إسحاق بن يسار المتوفى عام 151 ه ( 1 ) ، وغيرهم ( 2 ) .
نعم ، ان هذه البدايات المبكرة في تركيز مبدأ الاعراض عن
الحقائق الثابتة والكبرى التي أوصى بها المشرع المقدس ، والتعامل
معها تعاملا يتراوح بين الإعراض تارة ، والتعامل المشوب بالحذر والتوجس
من الموقف السلطوي والعام المتأثر به تارة أخرى ( 3 ) ، كونت بالتالي
هامش
( 1 ) رغم ان ابن إسحاق عمد في كتابه هذا إلى التوسع والتفصيل خلافا عما كان عليه
السابقون من اعتماد تأريخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحسب ، بل تجاوز
ذلك إلى تدوين تأريخ
النبوة أيضا ، وما يتصل بها ، وحتى وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ،
ثم إنه عمد أيضا إلى
التعرض بشكل واضح وبين إلى سيرة الإمام علي عليه السلام ، إلا أنه تعرض أولا
للاتهام
بكونه شيعيا ، ومن ثم تعرض مؤلفه هذا للضياع ، ثم ظهوره بعد ذلك بشكل
مختصر ومشوه قام بجمعه عبد الملك بن هشام المتوفى 218 د ، فكان بالتالي
موافقا للمنهج الذي أشرنا إليه انفا .
( 2 ) ليس ثمة شك بان هناك البعض ممن حاول أن يكتب ولو بعض ما يصح لديه
من السيرة النبوية وما يتصل بها ، إلا أن ذلك لم يكن بالقدر المؤثر في وقف
التيار العام
المندفع بقوة والذي تسيره سياط الحكام وأكياس دراهمهم ، فبقي أثرهم محدودا ،
وكتاباتهم متعثرة ، لا سيما والتلويح بتهمة التشيع وما يترتب عليها كانت تقف
أمامهم بالمرصاد ، كحال أبي معشر وابن سعيد الأموي وغيرهما .
( 3 ) من يتأمل المنهج الذي سارت عليه الدولة الأموية - منذ نزو معاوية بن هند
على
سدة الحكم وحتى طيلة تلاحق سلسلة الحكام الأمويين - يجد الكثير من الشواهد
، والحقائق الدالة على حقيقة هذا التوجه الخبيث الرامي إلى دفع
حالة الاستقطاب
الكبرى لأهل البيت عليهم السلام بواسطة سياسة حرف أنظار التأريخ وعيونه عن
اعتمادهم
كمراكز وأقطاب مقدسة - يدرس التأريخ وتقام صروحه من خلال آفاقها الواسعة ،
ومعطياتها الكبرى التي أقامها لهم الشارع المقدس - والمرتكزة في أوضح أبوابها
على أسلوب الارهاب والقتل والتشريد ، وذلك ليس بخاف على أحد .
نعم ، فإذا كان مصير حجر بن عدي وأصحابه ، ورشيد الهجري ، وعبد الله بن
يقطر ، وميثم التمار - الذي أظهر أسلوب قتله حقيقة السياسة الأموية التي أشرنا
إليها
بأوضح صورها ، وحيث صلب على نخلة ، ثم الجم لما لم يكف عن التحدث عن
فضل أهل البيت عليهم السلام ومنزلتهم العظيمة ، وما يعنيه هذا من تركيز حاد
لعيون
التأريخ عليهم ، وبالتالي ابتناء المنهج الذي تخشاه الدولة الأموية ، ومن تبعهم
من
العباسيين ومن لف لفهم - وغيرهم القتل الذريع بأيدي أزلام الدولة الأموية ،
ومنفذي سياستها الوسخة ، فان زعيم هذه الدولة الفاسدة كان قد أقام لاتباعه أسس
هذا النظام ومناهجه من خلال ما عممه في كتابه الشهير إلى عماله والذي ينص
علن أن : برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته .
قال ابن أبي الحديد المعتزلي بعد إشارته إلى هذا الكتاب : فقامت الخطباء في
كل
كورة ، وعلى كل منبر يلعنون عليا ! ! ويبرؤون منه ! ! ويقعون فيه وفي أهل
بيته . . . ! !
وأضاف : وكتب معاوية إلى عماله أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته
شهادة . وأن من قامت عليه البينة أنه يحب عليا فان اسمه يمحى من الديوان ،
ويسقط عطاؤه ورزقه ، وأما من يتهم بمولاة أهل هذا البيت فإنه ينكل به ، وتهدم
داره . . .
وللقارئ الكريم أن يتأمل في ما تعنيه سياسة تكميم الأفواه هذه ، و ، ما تشكله
من خطورة في حرف التأريخ ، وصرفه عن الحقائق الكبرى .