وبهذا يكتسب النظام والانسجام الذي يسود ظواهر العالم وضوحاً أكبر .
وأمّا بالنسبة للشبهة الثالثة فنقول : إنّ تحقّق نتائج معيّنة دائماً أو في أغلب الأحيان بحيث يمكن التنبّؤ بها ، ناتج عن السنخيّة بين العلّة والمعلول ، أي : إنّ لنواة البلوط سنخيّة مع شجرة البلوط فحسب دون سائر الظواهر . وقبول السنخيّة بينهما لا يعني التسليم بوجود شيء يسمّى « الميل الطبيعي » في نواة البلوط حتّى نعتبره العلّة الغائيّة لظهور البلوط » « 1 » .
والحاصل ممّا تقدّم : أنّ في موضوع العلّة الغائيّة نظريّتين أساسيّتين ، النظريّة الأولى تذهب إلى أنّ العلّة الغائيّة تختصّ بالفاعل الذي له حركة إراديّة وهو الإنسان والحيوان . أمّا سائر الأفعال في الكون فليس لها علّة غائيّة .
وهذا ما ذهب إليه الشيخ مصباح وأيّده الشيخ الفيّاضي في تعليقته على نهاية الحكمة ، حيث قال : « ويبدو أنّ الحقّ هو ما ذهب إليه شيخنا المحقّق - دام ظلّه - من الفرق بين الغاية والعلّة الغائيّة ، وأنّ العلّة الغائيّة للفاعل هي حبّه لما يراه كمالًا له ، سواء كان كمالًا قبل الفعل ، فهو يفعل الفعل ويحبّه لكونه أثراً لذلك الكمال ، أم كان ممّا يحصل بالفعل ، فهو يفعل الفعل لأجل الوصول إليه ، فالفعل في الصورتين مقصود بالتبع ، والمقصود بالذات هو كمال الفاعل ، ومنه يتبيّن أنّ العلّة الغائيّة مختصّة بالفاعل العالم ، وأمّا غيره فلا علّة غائيّة له ، وإن كان لفعله غاية ينتهي إليها فعله » « 2 » .
والنظريّة الثانية تذهب إلى أنّ العلّة الغائيّة تحكم كلّ فاعل وتسيطر على معلولات ومخلوقات العالم ، وقد ذهب إليه مشهور الحكماء .
هامش
( 1 ) المصدر السابق : ص 126 .
( 2 ) تعليقة الشيخ الفيّاضيي على نهاية الحكمة : ج 3 ، ص 703 .