والحقُّ - كما سيأتي تفصيلُه - أنّ الفواعلَ العلميّةَ بوجوداتها النوعيّةِ عللٌ فاعليّةٌ للأفعال المرتبطة بها ، الموجودةِ لها في ذيل نوعيّتها . كما أنّ كلَّ نوعٍ مِن الأنواع الطبيعيّة مبدأٌ فاعليٌّ لما يوجد حولَهُ ويصدرُ عنه مِن الأفعال ، وإذ كانتْ فواعَل علميّةً ، فحصولُ صورةِ الفعلِ العلميّةِ عندها شرطٌ متمّمٌ لفاعليّتها يتوقّف عليه فعليّةُ التأثير . وهذا هو المرادُ بكون العلّةِ الغائيّةِ علّةً لفاعليّة العلّةِ الفاعليّة ، وإلّا فالفاعلُ بنوعيّتهِ علّةٌ فاعليّةٌ للأفعال الصادرةِ عنه القائمةِ به ، التي هي كمالاتٌ ثانية له يَستَكمِلُ بها .
وثالثُها : أنّ الغايةَ وإن كانت بحسب النظر البدويِّ تارةً راجعةً إلى الفاعلِ وتارةً إلى المادّة وتارةً إلى غيرهما ، لكنّها بحسب النظرِ الدقيقِ راجعةٌ إلى الفاعلِ دائماً ، فإنّ مَن يُحسِنُ إلى مِسكينٍ ليسرَّ المسكينَ بذلك ، يتألّمُ مِن مشاهدةِ ما يراه عليه مِن رثاثِة الحال ، فهو يريدُ بإحسانه إزاحةَ الألمِ عن نفسه ، وكذلك مَن يسيرُ إلى مكانٍ ليستريحَ فيه ، يريدُ بالحقيقة إراحةَ نفسِه مِن إدراكِ ما يجدُه ببدنه مِن التعب . وبالجملةِ : الفعلُ دائماً مسانخٌ لفاعِله ، ملائمٌ له ، مرضيٌّ عندَه ، وكذا ما يترتّب عليه مِن الغايةِ فهو خيرٌ للفاعل ، كمالٌ له .
وأمّا ما قيل : « إنّ العالي لا يُستَكملُ بالسافل ولا يريدُه ، لكونِه علّةً ، والعلّةُ أقوى وجوداً وأعلى منزلةً مِن معلولها » . فمندفعٌ - كما قيل - بأنّ الفاعلَ إنّما يريدُه بما أنّه أثرٌ من آثاره ، فالإرادةُ بالحقيقة متعلّقةٌ
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 201
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص٢٠١