الغرض من إبطال التسلسل هو إثبات واجب الوجود بالذات ، ثمّ يشير إلى أنّ كلّ من الإلهي والطبيعي يؤمنون ويتّفقون على أنّ هذه الموجودات الممكنة لابدّ أن تنتهي إلى واجب الوجود بالذات ، لأنّ المادّي يقول إنّ الأصول الأزليّة « 1 » التي تسمّى بالجواهر الفرد أو الأجزاء التي لا تتجزّأ بعد تصادمها ظهرت هذه الموجودات بهذا النحو ، وقد نقل الشيخ الرئيس هذا القول عنهم في أوائل الطبيعيّات .
وعلى هذا فالمادّي يقول بانتهاء الموجودات إلى واجب الوجود بالذات بعد بطلان التسلسل ، والإلهي يقول أيضاً يثبت واجب الوجود بالذات على أساس استحالة التسلسل .
إلّا أنّ الفرق بين الإلهي والمادّي هو : أنّ الإلهي بعد أن ثبت بطلان التسلسل ، وانتهاء الموجودات الإمكانيّة إلى واجب الوجود بالذات ، يجب عليه أن يثبت أن واجب الوجود بالذات هو مفارق ، بمعنى أنّه : حيّ وعالم ومريد ومدبّر وغيرها من الأسماء الحسنى والصفات العليا ، وهذا ما نلمسه واضحاً في كلماتهم ، فالفارابي مثلًا في بداية رسالة إثبات المفارقات ، بعد تقريره لبرهان الوسط والطرف لاستحالة التسلسل ، ولزوم انتهاء الموجودات الممكنة إلى واجب الوجود بالذات ، يعقّبه ببحث آخر وهو إثبات أنّ واجب الوجود بالذات مفارق ، حيث يقول : « البرهان على أنّه مفارق ، أنّه لو كان جسماً . . . الخ » كما ذكرنا عبارته في البحث السابق « 2 » .
هامش
( 1 ) التعبير بالأصول الأزليّة ورد في كلام أمير المؤمنين * في الخطبة 163 ، في نهج البلاغة ، حيث قال : « لم يخلق الأشياء من أصول أزليّة ، ولا أوائل أبديّة ، بل خلق ما خلق فأقام حدّه ، وصوّر ما صوّر فأحسن صورته ، ليس لشيء منه امتناع . . . » .
( 2 ) انظر تعليقة الشيخ حسن زاده الآملي على الأسفار : ج 2 ، ص 196 - 198 .