برهانٌ آخر : وهو المعروفُ ببرهانِ الوسطِ والطرفِ ، أقامَهُ الشيخُ في الشفاءِ ، حيثُ قالَ : « إذا فَرضنا معلولًا وفَرضنا له علّةً ولِعلّتهِ علّةً ، فليسَ يمكنُ أن يكونَ لِكلِّ علّةٍ علّةٌ بغيرِ نهايةٍ ، لأنَّ المعلولَ وعلّتَه وعلّةَ علّتِه إذا اعتُبرتْ جملتُها في القياسِ الذي لِبعضِها إلى بعضٍ كانتْ علّةُ العلّةِ علّةً أولى مطلقةً للآخرينَ - وكانَ للآخرينَ نسبةُ المعلوليّةِ إليها ، وإن اختلفا في أنّ أحدَهما معلولٌ بالواسطة والآخرُ معلولٌ بلا واسطةٍ - ولم يكونا كذلك ، لا الأخيرُ ولا المتوسّطُ ، لأنّ المتوسّطَ الذي هو العلّةُ المماسّةُ للمعلول علّةٌ لشيءٍ واحدٍ فقط ، والمعلولُ ليس علّةً لشيءٍ . ولكلّ واحدٍ من الثلاثة خاصّيةٌ ، فكانت خاصّيةُ الطرفِ المعلولِ أنّه ليس علّةً لشيء ، وخاصّيةَ الطرفِ الآخرِ أنّه علّةٌ للكلّ غيرِه ، وخاصّيةُ الوسطِ أنّه علّةٌ لطرفٍ ومعلولٌ لطرفٍ ، سواءٌ كان الوسطُ واحداً أو فوقَ واحدٍ . وإن كان فوقَ واحدٍ فسواءٌ ترتّبَ ترتيباً متناهياً أو غيرَ متناهٍ ، فإنّه إن ترتّبَ في كثرةٍ متناهيةٍ كانت جملةُ عددِ ما بين الطرفينِ كواسطةٍ واحدةٍ تشتركُ في خاصّية الواسطةِ بالقياس إلى الطرفين ويكون لكلٍّ من الطرفين خاصيّتُه ، وكذلك إن ترتّبَ في كثرةٍ غيرٍ متناهيةٍ ولم يحصل الطرفُ كان جميعُ الغيرِ المتناهي مشتركاً في خاصّيةِ الواسطة ، لأنّك أيَّ جملةٍ أخذتَ كانت علّةً لوجود المعلول الأخير وكانت معلولةً ، إذ كلُّ واحدٍ منها معلولٌ ، والجملةُ متعلّقٌ الوجود به ، ومتعلّقُ الوجود بالمعلول معلولٌ ، إلّا أنّ تلكَ الجملةَ شرطٌ في وجود المعلول الأخير وعلّةٌ له ، وكلّما زدتَ في الحصر والأخذِ كان الحكمُ إلى غير النهاية باقياً . فليس يجوزُ أن تكونَ جملةُ عللٍ موجودةً وليس فيها علّةٌ غيرُ معلولةٍ وعلّةٌ أولى ، فإنَّ جميعَ غير المتناهي يكون واسطةً بلا طرفٍ ، وهذا محالٌ .
شرح نهاية الحكمة ( العلة والمعلول ) تقريرا لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 357
مساهمون: الشيخ علي حمود العبادي
ص٣٥٧