فما علم من الأفعال أنّه ممكن سيقع يفعله ، وما علم منه أنّ الفعل يستحيل أن يقع ، فلا يفعله .
وهذا القول هو الظاهر ممّا نسب إلى جمهور أهل السنّة ، من أنّ إرادته تعالى نافذة في جميع مراداته على حسب علمه بها ، فما علم أنّه أراده في الوقت الذي علم أنّه يكون فيه ، وما علم أن لا يكون إراد أن لا يكون « 1 » .
وقريب منه ما نسب إلى الحسين بن محمّد النجّار ، الذي كان يقول : « إنّ الله لم يزل مريداً أن يكون في وقته ما علم وقته ، مريداً أن لا يكون ما علم أنّه لا يكون » « 2 » .
قال صدر المتألّهين : « ومنهم من قال : إنّه تعالى عالم بجميع المعلومات ، فيعلم : أنّه أيّ المعلومات يقع ، وأيّها لا يقع ، فما علم منه أنّه سيقع يكون واجب الوقوع ؛ لأنّه لو لم يقع كان علمه جهلًا ، وإذا كان ذلك مختصّاً بالوقوع وغيره ممتنع الوقوع ، فلا جرم يريد ما يعلم أنّه يقع ، ولا يريد غيره ؛ لأنّ إرادة المحال محال » « 3 » .
وأجاب المصنّف عن ذلك جواباً نقضيّاً جدليّاً على مبانيهم ؛ لأنّ المتكلّمين يرون : أنّ العلم متأخّر وجوداً عن وجود المعلوم ، فيكون تابعاً وليس بمتبوع فلا يكون مرجّحاً ، وذلك لأنّ الإمكان متأخّر رتبة عن الوجود ؛ لأنّ الإمكان لازم الماهيّة ، والماهيّة متوقّفة - في انتزاعها - على تحقّق الوجود ؛ لأصالة الوجود واعتباريّة الماهيّة ، ووجود الشيء متوقّف على المرجّح ، فيكون العلم بالإمكان متأخّراً عن المرجّح - بالفتح - بثلاث مراتب
هامش
( 1 ) انظر : الفَرق بين الفِرق ، للأسفرائيني : ص 259 .
( 2 ) انظر : مقالات الإسلاميين : ج 1 ، ص 315 .
( 3 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة : ج 1 ، ص 133 .