وثانيهما ما قال به صدر المتألّهين في باب علم الباري تعالى ، وأشار إليه الحكيم السبزواري ، من تحقّق كلّ شيء بنحو البساطة في ذاته تعالى ؛ لاشتماله على كلّ الكمالات ، فهذا المعنى - مضافاً إلى أنّه بعيد عن أذهان هؤلاء - لا يصحّح تخصّص المعلول ؛ لأنّ هذا العلم هو عين ذاته سبحانه ، وحكمه حكم الذات » « 1 » .
القول الرابع : المرجّح علمه تعالى بالأصلح
ذهب بعض المتكلّمين إلى : أنّ المرجّح هو علمه تعالى بالأصلح ، فهؤلاء فرضوا : أنّ الله تعالى لا يفعل إلّا لمصلحة ، فأفعاله تعالى تابعة للمصالح الواقعيّة ، وإن كنّا لا نعلم بتلك المصالح ، فما كان من أفعاله تعالى له مصلحة في وقت معيّن ، فعله في ذلك الوقت دون غيره ؛ إذ لا مصلحة في غير وقته المعيّن .
وممّن ذهب إلى هذا القول : جمهور قدماء المعتزلة ، كما نقل ذلك الحكيم السبزواري في شرح المنظومة بقوله : « وقيل - القائل هو المعتزلي - : إنّ المرجّح علم ربّنا تعالى وتقدّس بالأصلح » « 2 » .
وهذا القول يوافق مبنى المعتزلة القائلين بأنّ خلق العالم في زمان خاصّ دون غيره من الأزمنة ، هو لأجل وجود مصلحة في خلقه في ذلك الوقت ، لأنّه تعالى حكيم ، والحكيم لا يفعل إلّا لمصلحة .
وقد أجاب المصنّف عن ذلك بجوابين ، أحدهما نقضيّ ، والآخر حلّي :
الجواب الأوّل - وهو النقضي - : وهو عين ما تقدّم في الجواب عن العلم ، وحاصله : أنّ المصلحة نفسها لا تكفي للترجيح ما لم تكن معلومة ، والعلم بالمصلحة متأخّر عن المصلحة ، وهي متأخّرة عن وجود الفعل ، ووجود الفعل
هامش
( 1 ) تعليقة الشيخ مصباح اليزدي على نهاية الحكمة : ص 238 رقم ( 239 ) .
( 2 ) شرح المنظومة ، الحكيم السبزواري : ج 3 ، ص 85 ، وانظر الأسفار : ج 6 ، ص 325 .