الحال في كثرة هذه الصور المتعاقبة على المادّة .
وقد تبيّن بما تقدّم أنّ كلّ فعليّة وتحصّل تعرض المادة فإنّما هي بفعليّة الصورة ، لما أنّ تحصّلها بتحصّل الصورة . وأنّ الصورة شريكة العلّة للمادّة .
وأنّ الصورة متقدّمة على المادّة وجودا وإن كانت المادّة متقدّمة عليها زمانا [ 1 ] .
وأمّا أنّ الصورة الجسميّة لا تتعرّى عن المادّة فلأنّ الجسم أيّا مّا كان لا يخلو عن عوارض مفارقة تتوارد عليه من أقسام الحركات والكمّ والكيف والأين والوضع وغيرها ، وكذلك [ 2 ] الصور النوعيّة المتعاقبة عليه ، وهي جميعا تتوقّف على إمكان واستعداد سابق لا حامل له إلّا المادّة ، فلا جسم إلّا في مادّة .
وأيضا الجسم - بما أنّه جوهر قابل للأبعاد الثلاثة - طبيعة نوعيّة تامّة واحدة وإن كانت تحته أنواع ، وليس كمفهوم الجوهر الّذي ليس له إلّا أن يكون ماهيّة جنسيّة ، لا حكم له إلّا حكم أنواعه المندرجة تحته . فإذا كان طبيعة نوعيّة فهو بطبيعته وفي ذاته إمّا أن يكون غنيّا عن المادّة غير مفتقر إليها ، أو مفتقرا إليها .
فإن كان غنيّا بذاته استحال أن يحلّ المادّة ، لأنّ الحلول عين الافتقار ، لكنّا نجد بعض الأجسام حالّا في المادّة ، فليس بغنيّ عنها . وإن كان مفتقرا إليها بذاته ثبت الافتقار - وهو الحلول - في كلّ جسم .
لا يقال [ 3 ] : لم لا يجوز أن يكون غنيّا عنها بحسب ذاته وتعرضه المقارنة في بعض الأفراد لسبب خارج عن الذات كعرض الأعراض المفارقة للطبائع النوعيّة ؟ .
هامش
( 1 ) وفيه : ما مرّ من أنّه لا معنى لتقدّم المادّة على الصورة زمانا ، كما لا معنى تقدّم الصورة على المادّة وجودا ، بل العقل المفارق الفائض يوجدهما معا يحفظ المادّة بتوارد الصور .
( 2 ) أي : وكذلك لا يخلو عن الصور النوعيّة .
( 3 ) هذا دخل مقدّر يستفاد ممّا ذكره بهمنيار في التحصيل : 347 ، حيث قال : « ولا تصحّ أن تكون حاجة الصورة إلى مثل هذا الموضوع أو المحلّ بسبب من خارج . . . » . أشار إليه أيضا الشيخ الرئيس في الفصل الثاني من المقالة الثانية من إلهيات الشفاء ، حيث قال :
« واللواحق الخارجية لا تغنيها عن الحاجة إلى المادّة بوجه من الوجوه » .