بمحبوبه والوصول إليه من كل حاجب يحجب عنه . وكلّما مكث على وصفه ، اشتدّ وجده واشتعل نارشوقه ؛ وربما دفعه الشوق إلى الغيبة عن نفسه ، وفنائها عن نظره ، والاشتغال فقط بربّه ، فلا يبقى إلّا وجه ربّه ذو الجلال والإكرام .
وهؤلاء أيضا طبقة ، ومقامهم في العلم والعمل ما عرفت .
وقد عرفت أنّ الفارق حقيقة بين هذه الطبقات الثلاث ، اختلاف حالهم في الإدراك ؛ وبذلك يفترقون في فهم المدلول من كلام واحد إلى مدلولين اثنين ، أو إلى ثلاث .
فبيان الطريق ليس من شؤون الشرع ، وإنّما هو الفهم يختلف اختلافا .
ولقد سمعت بعض مشايخي ، وقد سئل عن طريق معرفة النفس : لم لم يبيّن شرعا ، وهو أقرب الطرق إلى اللّه سبحانه ؟
فقال - مدّ ظلّه - : وأىّ بيان في الشرع لا يروم هذا المقصد ، ولا يشرح هذا الطريق ؟
ومن هنا ربما يذكر بعض هذه الطبقة في تفسير بعض الآيات والأخبار ، معاني بعيدة عن الفهم العادي كلّ البعد . هذا !
والذي ينبغي أن يعلم هيهنا انّ هذا الطريق مركب من فعل وترك ، وهو رفض غير اللّه ، والتوجّه إلى اللّه سبحانه ؛ وهما كالمتلازمين أو متلازمان . إذ قد مرّ انّ العلم باللّه أبده البديهيات ، وإنّما الحاجب عنه هو الغفلة دون الجهل ، وذلك بالاشتغال بحطام الدنيا ، وعرض هذا الأدنى . فما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه .
فالاشتغال بها يوجب حبّها ، وتعلّق الهمّة كلّها بها . فيشغل ذلك حيّز القلب ، فلا يصفو مرآته حتى ينعكس فيها جمال الحقّ سبحانه ، ويحصل المعرفة . فان الأمر ، أمر القلب .
رسالة الولاية — صفحة 57
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٥٧