فلو انّ الدنيا دامت بأهلها ، وتخلّد نعمها ومشتهياتها ، وانمحت عنها مكارهها ، لم ينقص من مبتغى هذا العامل المجاهد شيئا . ومن هنا تعلم أنّ الكمال عند هذا الرجل ، هو مشتهيات النفس من النعم الدنيوية المادّية ؛ لكنّه يراها مقرونة بالنواقص والموانع ، فيطلب مشتهيات من جنسها خالية من كدوراتها . فيرى الدار الآخرة من عرصات الدنيا وخواتمها ، ويعتقد أنّ يوم القيمة من أيّامها .
فنفسه واقفة على هذه المرتبة الجسمية ، لم ترق عنها ليأسها عن أشرف منها . فلا يريد كمالا أشرف من الكمال الجسمي ، إذا لم يعهده ولم يعتقد به . فهو نازل عن مرتبة العلم باللّه ، واقف في مرتبة العمل ، يتقلّب بين أطوار الحياة من قول وعمل وخلق حسن كأنّ أستار الغيب مرتفعة عنه ، وكأنّ ما وراء الحجاب مكشوف له ، لا يستفزّ عن عينه ، وليس كذلك .
وهو المأيوس عن مشاهدة ما وراء الحجاب ، وفد وطّن نفسه لما بعد الموت . فإنّما له صالح العمل وجزيل الثواب فحسب ، لا يرزق خيرا من ذلك .
« وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ »
« 28 » .
وهؤلاء أيضا طبقة ، وذلك مقامهم في العلم والعمل ؛ يشتركون الطبقة الأولى في العلم ، ويفترقون عنهم في العمل .
وإذا فرضنا واحدا من المحبّين المشتاقين ، وهو رجل أخذته بارقة الحبّ ، وجذبته جذبة الشوق إلى لقاء اللّه سبحانه ؛ فانهدّت أركانه ، واضطربت أحشائه ، وحار قلبه ، وطار عقله ، وانسلّ عن الدنيا وزخارفها ، ولم يقع همّه على العقبى ونعيمها ، ولا دين للمحبّ إلّا
هامش
( 28 ) الشورى / 27 .