إنّها من باب الانصراف أو من باب مقدّمات الحكمة أو من باب حكم العقل ، وكانت هناك أوامر متعدّدة : بعضها معلومة الاستحباب وبعضها مشكوكة ، فكلّ هذه الوجوه لا تأتي . فلا العقل يحكم بالإلزام مع وجود شيءٍ يحتمل أن يكون مرخّصاً « 1 » ، ولا مقدّمات الحكمة تتمّ ؛ لاحتمال وجود القرينة المتّصلة ، ولا الانصراف يكون تامّاً ، فلا محيص إذن عن أنّ هذه الأوامر لا يُراد بها الوجوب « 2 » .
إذن فهذه الآية لم تُذْكَر لبيان الوجوب ، بل لتأنيب الناس الذين انفضّوا إلى تجارة دحيّة الكلبي وطبله « 3 » ، بعد تشريعها وإقامتها عدّة سنين ؛ فإنّها شُرّعت قبل الهجرة ، وسورة الجمعة نزلت بعدها .
ولو سلّمنا أنّ الآية تدلّ على وجوب السعي على نحو الوجوب التعييني ، ولكن لا يمكن الاستدلال بها في محلّ الكلام ؛ فإنّ ما هو
هامش
( 1 ) يعني : قرينة على الترخيص ؛ باعتبار أنّ القدر المتيقّن من حكم العقل هو غير ذلك ، ويكفي في حكم العقل الشكّ في الإلزام ( المقرّر ) .
( 2 ) ولا يبقى في المقام إشكالٌ ، إلّا أنّ الأوامر الاستحبابيّة واردةٌ في غير الآية التي وردتْ فيها هذه الأوامر ، فلا تكون وحدة السياق محفوظةً .
وجوابه : أنّه يكفي في وحدة السّياق انحفاظها في المقطع القرآني الواحد ، وهو مجموعة الآيات التي تتحدّث عن مطلبٍ واحدٍ ، والأمر في المقام كذلك ، كما هو واضحٌ ( المقرّر ) .
( 3 ) وقصّة ذلك : أنّ دحيّة بن خليفة الكلبي كان يسافر إلى الشام ويأتي بمال التجارة إلى المدينة ، ثمّ يضرب بالطبل لإعلام الناس بقدومه ، فَقَدِمَ ذات جمعة ورسول الله ( ص ) قائمٌ على المنبر يخطب . فلمّا ارتفع صوت الطبل ، خرج الناس وانفضّوا إليه : بعضهم لاشتراء المتاع ، وبعضهم لاستماع اللهو ( الطبل ) ، وتركوا النبي ( ص ) قائماً ، فنزلتْ الآيات الكريمة . اٌنظر : البدر الزاهر : 14 ( المقرّر ) .