الميزة الأولى : إن هناك قوانين تحكمه ، خاصة به ، وهي منبثقة بدورها من القوانين الكونية العامة ومنسجمة معها . . . وسنسمع رأي الماركسية في تأثير قوى الانتاج وعلاقات الانتاج في تطوير المجتمع .
الميزة الثانية : وجود جو من الحرية والوعي في تصرف المجتمع ، بخلاف الطبيعة ، فإن تصرفاتها عمياء عفوية خالية من الوعي والهدف ، حسب ما ترى الماركسية .
وبطبيعة الحال ، يكون مقتضى شمول القوانين الكونية الضرورية للمجتمع : أن تكون كل تصرفات الناس « جبرية » ضرورية لا أثر للوعي فيها . إلا أن الماركسية جمعت بين هذين المفهومين المتناقضين : الضرورة والحرية ، واعترفت بهما معا .
قال انجلز :
« غير أن تاريخ تطور المجتمع يختلف جوهريا في نقطة واحدة عن تاريخ تطوّر الطبيعة . ففي الطبيعة ( بقدر ما نحن نضع جانبا رد فعل الانسان فيها ) لا يؤثر بعضها في بعض إلّا قوى عمياء لا واعية ، وفي تأثيرها تظهر القوانين العامة . وليس هنا أي هدف واع منشود . لا في الأعراض الظاهرية التي لا عدّ لها والمرئية على السطح ، ولا في النتائج الختامية التي تؤكد وجود الانتظام في داخل هذه الأعراض .
أما في تاريخ المجتمع ، فالأمر بالعكس . ففي تاريخ المجتمع يفعل الناس الذين لهم موهبة الوعي ويعملون بتفكير أو بتأثير عاطفة ، وينشدون أهدافا معينة . ولا يصنع هنا شيء دون نية واعية ، ودون هدف منشود » « 1 » .
قال بليخانوف :
« ولكننا في الحوادث التاريخية لا نواجه أشياء جامدة ، وإنما نواجه بشرا يعملون ، والبشر يتمتعون بالوعي والإرادة . فيحق لنا بالتالي أن نتساءل عما إذا كانت الضرورة - التي لا يوجد خارجها مفهوم علمي للظواهر في التاريخ ، كما في علم الطبيعة - لا تنفي فكرة الحرية الانسانية .
وإذا صغنا المسألة بكلمات أخرى ، فهي تطرح على النحو التاريخ : هل من سبيل للتوفيق بين الفعل الانساني الحر والضرورة التاريخية .
يبدو لنا للنظرة الأولى أن ذلك غير ممكن وان الضرورة تنفي الحرية ، وبالعكس .
ولكن الأمور ليست على هذا الشكل إلّا بالنسبة لمن يتوقف نظره عند سطح الأشياء ، عند قشرة الظواهر . في الحقيقة ان هذا التناقض « الشهير » هذا التنافي المزعوم بين الحرية والضرورة ليس له وجود . فإن الضرورة لا تنفي الحرية إنما هي شرطها الأساسي » « 2 » .
وقال بليخانوف أيضا :
هامش
( 1 ) لودفيج نورباخ : انجلز ص 53 .
( 2 ) فلسفة التاريخ : بليخانوف ص 39 .