« بيد أن هذه الحقيقة تتسم بالجبرية الصارخة ، لأنها تعود وتزعم أن تاريخ الانسانية محدد سلفا ، حتى في جزئياته القليلة ، بالخصائص العامة للطبيعة البشرية . إن الجبرية هنا تنشأ عن اختفاء الخاص في العام .
ويمكن القول ، كما في العادة : ما دامت جميع الحوادث الاجتماعية محددة بالضرورة ، فليس لعملنا أي اعتبار . وهذه فكرة صحيحة لم يحسن صياغتها ، إذ كان من الواجب القول : إذا كان العام يقرر كل شيء ، فينجم عن ذلك أن الفردي ( بما فيه مجهودي ) ليس له أية أهمية ان مثل هذه النتيجة صحيحة تماما ، وإن كان استعمالها يجري بصورة خاطئة . وعند تطبيق هذه الفكرة مع المفهوم المادي الحديث عن التاريخ حيث يترك حيزا للعمل الفردي ، لا يعود لها أي معنى » « 1 » .
وقال كوفالسون :
« إن الجبرية ( الاعتقاد بالقضاء والقدر ) تؤدي على العموم إلى خرافات وسخافات ، بتحويلها الصدفة إلى حتمية تاريخية .
أما الإرادية التي تعتبر التاريخ مجرد إنتاج لابداع الناس الحر ، لإرادتهم الحرة ولاختيارهم الحر لأهدافهم ، فإنها تتخبط في مأزق أمام كثير من المسائل . مثلا من وجهة النظر هذه كيف يفسر الدافع الأساسي التالي ، وهو أن نتائج النشاط في التاريخ تكون أحيانا كثيرة جدا مناقضة للأهداف التي وضعها الناس نصب أعينهم . إن الناس يتمنون الخير ، ولكنهم يصنعون الشر أحيانا » « 2 » .
- 6 - ولعل أوضح بيان في أسلوب الجمع بين الضرورة والحرية ، من الناحية الاجتماعية ، هو ما ذكره كوفالسون ، حين قال :
« إن كان جيل جديد من البشر يجد عند دخوله حلبة الحياة ، ظروفا اجتماعية جاهزة ، مصنوعة قبل ظهوره ، ويفعل ويتصرف على أساسها ، ويصنعها من جديد أو يغيرها . وهذه الظروف تنشئ إمكانيات معينة لأجل هذا النشاط أو ذاك .
ثم إن مستوى التطور المبلوغ سابقا ، يحمل معه طائفة معينة من القضايا الاجتماعية ، فيدركها الناس ويستهدفون حلها . ولهذا لا يمكن فصل النشاط عن الظروف الموضوعية التي يتحقق في إطارها . إلا أن وجود هذه الظروف الموضوعية لا يقلل البتة من شأن واستقلال نشاط الانسان ، بل يتيح - بالعكس - فهم هذا النشاط على نحو أفضل » « 3 » .
هامش
( 1 ) دور الفرد في التاريخ : بليخانوف ص 97 - 98 .
( 2 ) المادية التاريخية : كوفالسون ص 43 .
( 3 ) المصدر نفسه ص 43 .