ومن الواضح ، كما قلنا في الأجزاء السابقة لهذا الكتاب « 1 » ان تربية المجتمعات ومن ثم البشرية بمجموعها ، لا يمكن أن تكون بين عشية وضحاها ، ولا في حفنة من السنين ، بل تحتاج إلى أمد متطاول ، وتجارب قاسية وجهد متواصل .
فالفرد لا يكون رشيدا وكاملا ، إلا بعد مجموعة من السنين وتعلم طويل وتجارب مريرة . فإن أريد منه أن يكون فردا نموذجيا ، احتاج إلى زمن أطول وتجارب أقسى . فكيف بالهدف البشري الذي يعد فيه الأفراد بالملايين على مختلف المستويات والعقليات والثقافات ، ويراد - مع ذلك - إيجاد مستوى أعلى من المستوى الفردي والاجتماعي الموجود في أي منها . فأي مقدار من السنين ، وأي تجارب قاسية وأي جهود مضنية يجب أن تمر بها البشرية لتصل إلى ذلك الهدف ، وأي مقدار من التضحيات يجب إن تقدم في سبيل ذلك ؟ .
والتربية تتكون من عنصرين أساسيين :
العنصر الأول : معرفة الفرد بالأسلوب الصحيح للسلوك . كل بحسب وجهة نظره ، وينبغي لنا أن نقصد بالأسلوب الصحيح ما كان منسجما مع التخطيطين العامين وأهدافهما .
العنصر الثاني : تطبيق تلك المعرفة في عالم الحياة . فإن المعرفة وحدها غير كافية في الانسجام مع الهدف الأعلى ، بل لا بد أن يوجد للفرد درجة كافية من الاخلاص وقوة الإرادة ، بحيث يهتم بتطبيق تلك المعرفة على سلوكه ، وتقديمها على سائر الدوافع والمقتضيات .
ونحن إذا نظرنا من ناحية بشرية عامة ، وجدنا أن الخالق القدير الذي استهدف فيها تلك الأهداف ، وفر لها كلا هذين العنصرين . اما توفير المعرفة فيتمثل بالعقل أولا ، وبالنبوات ثانيا ، وأما توفير قوة الإرادة والاخلاص ، فيتمثل في جو التجارب القاسي الذي تمر به البشرية ، ليجعلها في نهاية المطاف ، مهتمة اهتماما واقعيا وعميقا بالتطبيق الصحيح الكامل . وسندخل في تطبيق ذلك بعد قليل .
ومن هنا عرفنا إجمالا : أهمية التشريع وأهمية النبوات ، وأهمية التجارب في
هامش
( 1 ) انظر : تاريخ ما بعد الظهور : الفصل الأول من الباب الأول من القسم الأول .
27