لكننا نريد في هذا الدليل أن نخطو خطوة جديدة في فهم هذه الآية . وهي : ان المعنى الذي ذكرناه للعبادة وان كان مهما ورئيسيا جدا . . . إلا أنه ليس نهائيا بحال . بل هناك مراتب أعلى من العبادة تكون تلك المرتبة الأولى مقدمة لها وإعدادا لايجادها ، وكلها ممكنة الحصول من البشرية واتصافها بها في المدى الطويل ، كما سيتضح عند استعراضها .
وبطبيعة الحال ، كلما تصورنا مرتبة من العبادة ممكنة للبشرية ، كانت مندرجة في مدلول الآية الكريمة ، لعدم وضع الآية أي تحديد على مفهوم العبادة فيكون ايرادها مطلقة ، دليلا على ايراد العبادة المطلقة .
إذا ، فالغرض الأساسي من خلق البشرية أبعد بكثير من مجرد وجود الدولة العالمية ، وإنما وجدت هذه الدولة العظيمة . وخطط لها في تاريخ البشرية الطويل من أجل هدف أعلى وأهم أمامها . ويكفينا الآن أن نعبر عنه ب ( العبادة المطلقة ) لخالق الكون ، حتى يأتي في مستقبل البحث ما يلقي الأضواء الكافية على هذا المفهوم .
إذا ، فوجود الدولة العالمية ، لا يعني نجاز الغرض الأقصى من خلق البشرية وتحققه في عالم الوجود ، بل هو لم يوجد بتأسيس هذه الدولة ، ولا زال أمام البشرية الشيء الكثير لكي تصل إليه .
إذا ، فلا معنى لقصر عمر البشرية بعد تأسيس هذه الدولة ، بل لا بد أن تبقى حتى تستوفي غرضها الأعمق ، إذ يستحيل تخلف الأغراض في الحكمة الإلهية الأزلية .
الدليل الثاني : انه يستبعد أن يكون زمان النتيجة أقصر بكثير من زمان المقدمات :
فإننا عرفنا كم من الزمان يستغرق اعداد البشرية لليوم الموعود . . . وهو كل عمرها منذ أول وجودها إلى حين نجاز ذلك اليوم العظيم . وهو ما لا يقل عن عدة آلاف من السنين ، إن لم يكن أكثر من ذلك ، كما عليه أنصار الفكر الحديث . وقد استوعبت هذه المدة ملايين الحوادث من تضحيات البشرية وآلامها ومظالمها ، ومن جهود الأنبياء والأولياء والمصلحين والشهداء ؛ ومن ظروف التمحيص الإلهي ، وما أدته البشرية من خيرات وما ارتكبته من جرائم . فإن كل ذلك ، كان مقدمة لليوم الموعود ، وإعدادا لحصول شرائطه المطلوبة التي لا يمكن تحققه بدونه ، كما عرفنا من التخطيط الإلهي السابق على الظهور .
وقد عرضنا ذلك في التاريخ السابق مفصلا « 1 » .
هامش
( 1 ) انظر الفصل الخاص بالتخطيط الإلهي ص 233 .