إن أكثر هذه الأخبار يمكن إسقاطها عن الاستدلال تماما ، لأن كل خبر يواجه بحياله بعض المناقشات ، فلا يبقى منها إلا القليل .
أما الخبر الذي أخرجه مسلم في صحيحه ، فهو يصف أولا فسق الناس وإطاعتهم للشيطان ، وتحولهم إلى عابدي أوثان . وهذا كله - بمعنى وآخر - مما يقع قبل الظهور .
ويقول بعدها : ثم ينفخ في الصور . والنفخ فيه كناية عن نهاية البشرية . إلا أن وجود هذه النهاية في ذلك الجو الفاسق مما لا يدل عليه الخبر ، لأن حرف العطف ( ثم ) دليل على التراخي والانفصال كما نص النحاة واللغويون . فإن لم يكن الخبر دليلا على بقاء البشرية بعد ذلك المجتمع الفاسق . فلا أقل من كونه ليس دليلا على انتهائها به .
وأما خبر أبي داود ، فهو غير دال بالمرة على المضمون المشار إليه . فهو دال على أن الناس يؤمنون كلهم حين تطلع الشمس من مغربها . ولا يقول شيئا غير ذلك . وقد قلنا في التاريخ السابق « 1 » أن المراد من الشمس التي تطلع من مغربها : المهدي ( ع ) حيث يطلع بعد غيبة ، ولا تقبل عندئذ من الفاسق توبة .
وكذلك الخبر الثاني الذي نقلناه عن الحاكم ، فإن فيه قوله : ولا مهدي إلا عيسى بن مريم ، وقد نقده ورفضه أهل الحديث العامة والخاصة ، كما سبق ، ولا حاجة إلى تكراره . مضافا إلى إشكالات أخرى مشتركة ستأتي .
وكذلك الخبر الذي نقلناه عن معالم الزلفى فإنه خبر مرسل وضعيف . ويحتوي من خلاله على مضامين مدسوسة وغير صحيحة ، كما يبدو لمن راجعه في مصدره .
لا يبقى عندنا - بعد هذا - إلا خبران ، أحدهما : الخبر الأول الذي نقلناه عن الحاكم والخبر الذي أخرجه الشيخ في الغيبة .
على أن خبر الشيخ أيضا لا يخلو من مناقشة فإنه ليس رواية عن معصوم وإنما يعبر فيه عبد اللّه بن جعفر الحميري عن اعتقاده ، وليس بالضرورة ان كل ما يعتقده له الإثبات التاريخي الكافي ، وإن كان هو شخصيا من العلماء الصالحين ، كما ثبت من تاريخه .
وعلى أي حال ، فالخبران يواجهان إشكالا مشتركا ، هو أن مثل هذه القضية وهي :
ان الساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق ، من الأمور الاعتقادية في الدين . ومن الواضح عند العلماء أن الأمور الاعتقادية لا تثبت بخبر الواحد وإن كان صحيحا سندا وواضحا
هامش
( 1 ) تاريخ الغيبة الكبرى ص 596 .