وهذه النتيجة بجانبيها العلمي والعاطفي ، هي التي تمثل الوعي العالي الذي يوجده المهدي ( ع ) في دولته ومجتمعه . ذلك الوعي الذي قلنا إنه لا يمكن أن يدرك الفرد كنهه إلا المفكر المعاصر لعهد الظهور ، وإنما ندركه الآن بعناوينه العامة ليس غير .
ومن هنا يتضح أن وضع اليد على رؤوس العباد ، لا يراد به المعنى الحقيقي ، ولا الرحمة ولا الاستيلاء بمعنى الملك والسلطنة . فإن كل ذلك بمجرده لا ينتج تكامل الأحلام ولا اجتماع العقول ، كما هو واضح . وإنما الذي ينتج ذلك هو التربية والإعلاء للعقول والأفكار والعواطف .
والمراد بالقرآن كما أنزل ، ذلك الذي يعلّمه أصحاب المهدي ( ع ) للناس ، كما نطق به الخبر . . . المراد به المعاني الواقعية للقرآن ، بعد وضوح عدم اختلاف القرآن عن عهد رسول اللّه ( ص ) لفظيا .
ومن الطبيعي أن يعرض القرآن يومئذ كما أنزل ، لما سمعناه في الأخبار العديدة :
بأن المهدي يأتي بالإسلام جديدا ، كما جاء به رسول اللّه ( ص ) . فكانت وظيفة النبي ( ص ) هو التنزيل ، ووظيفة المهدي ( ع ) هي التأويل أي التطبيق . وإن من أهم فقرات التطبيق وخططه : تفهيم الناس المقاصد الواقعية للقرآن الكريم ، وتثقيفهم الثقافة العالية عن هذا الطريق . . . عن طريق الإمام المهدي ( ع ) وعن طريق أصحابه ثانيا .
والمثاني التي هي بيد أصحاب المهدي ( ع ) - كما نطق الخبر - هي الواردة في قوله تعالى :
« وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ »
. وقد فسّرت في اللغة بآيات القرآن الكريم ، وهو لا يكاد يكون صحيحا ، فإن الآيات لا تنحصر بسبعة ، إلا أن يراد بها سورة الحمد خاصة ، وهو تفسير وردت به بعض الأخبار إلا أنها لم تثبت ، وهو - أيضا - خلاف ظاهر الآية الكريمة .
والأوفق بالقواعد اللغوية والإسلامية معا ، هو هذا الاحتمال الذي نعرضه كأطروحة محتملة في تفسيرها . فإن المثاني في اللغة هو ما بعد الأول من الأشياء . ومعه يكون الأول هو القرآن العظيم الذي عطفته الآية على المثاني . وتكون المثاني مستويات سبعة متأخرة في الرتبة عن القرآن الكريم من قواعد الإسلام العامة . والأنسب عندئذ ، هو أن يكون كل واحد من هذه الأمور السبعة يلي القرآن مباشرة في الأهمية ، بحيث يعتبر كل واحد منها ثاني القرآن ، ليكون الجمع بالمثاني أوضح وأقرب .
وأما إن هذه القواعد بالتعيين ما هي ، فيمكننا أن نعرف قليلا منها : كالسنة والعقل