فدفع إلى المستعدى عليه . قال : فعجب الناس وتحدثوا ، حتى بلغ داود ( ع ) ودخل عليه من ذلك ما كره . فدعا ربه أن يرفع ذلك ففعل . ثم أوحى اللّه إليه أن احكم بينهم بالبينات ، واضفهم إلى اسمي يحلفون به .
وإنما نقلنا هذا الحديث المرسل ، لوجود فارق بينه وبين الآية . فإن الحادثة التي يعرب عنها الخبر - لو صح - حادثة واقعية يمكن أن يعلم بها القاضي عن طريق الوحي أو عن طريق معاشرة الخصمين ونحوه . وأما الحادثة التي تعرب عنها الآية ، فالمشهور عنها أنها حادثة امتحانية ، أوجدها اللّه تعالى من أجل امتحان النبي داود ( ع ) واختباره وقد فشل في هذا الامتحان ، وهو قوله تعالى :
« وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ »
.
فالخصمان لم يكونا خصمين حقيقة ، وإنما كانا ملكين أرسلهما اللّه تعالى لاختبار داود ( ع ) . واستدلوا على ذلك : بقوله تعالى :
« إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ »
فإن البشر لا يتسورون الحائط على القاضي الذي يريدون التحاكم عنده . ولا يردون عليه في وقت عبادته ، بل في وقت استعداده للحكم .
وكان من واجب النبي داود ( ع ) طبقا للقواعد القضائية العامة أن يسأل من المدعي ، وهو صاحب النعجات التسع والتسعين ، أن يأتي بالبينة الدالة على أن تلك النعجة الواحدة له . ولكنه أسرع بقبول قول المنكر بدون مطالبة البينة ، وصار إلى جانبه ، بدون دليل . ولكنه فكر بعد ذلك وعلم بخطئه ، فاستغفر اللّه وخر راكعا وأناب ، فعفا اللّه عنه وأكرم مقامه .
غير أن الصحيح هو أن الآية لا تدل على أن الحادثة مصطنعة وغير واقعية ، بل تدل على واقعية الحادثة ، بعدة قرائن في الآية نفسها :
القرينة الأولى : قوله تعالى : الخصمين . فإن ظاهره كونهما خصمين حقيقة ، وحمله على الخصمين المصطنعين خلاف الظاهر ، لأنه مجاز لا يصار إليه إلا بقرينة .
القرينة الثانية : قوله : ان هذا أخي . وهو ظاهر بالأخوة الحقيقية . ومن المعلوم أنهما لو كانا ملكين لم يكن صدق ذلك ممكنا .
القرينة الثالثة : قوله : له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة . فإن ظاهره الملكية الحقيقية لنعجات حقيقية . وما خالف ذلك محتاج إلى تأويل .
القرينة الرابعة : قوله : لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه . فإنه لا يكون ظالما على الإطلاق لو كانت المرافعة صورية ، ولكانت هذه الجملة كاذبة .