قال الراغب : الجحمة شدّة تأجّج النار ، ومنه الجحيم ، وجحم وجهه من شدّة الغضب استعارة من جحمة النار ؛ وذلك من ثوران حرارة القلب « 1 » .
أقول : الغضبان قد يحمرّ وجهه وقد يسودّ ، أي : يزداد سمرةً ، فهذه الاختلافات تمثّل ألوان النار ، وخاصّة الحمرة .
وأمّا مادّة ( سعر ) فقال الراغب : السعر التهاب النار ، وقد سعرتها وسعّرتها وأسعرتها ، والمسعر الخشب الذي يُسعر به ، واستعر الحرب واللصوص نحو اشتعل ، وناقة مسعورة نحو موقدة ومهيّجة ؛ والسعار حرّ النار « 2 » .
أقول : كما أنَّ المادّة تأتي بمعنى الحرارة كذلك تأتي من السعر ، وهو الثمن أو القيمة المادّيّة السوقيّة أو المعنويّة الأخلاقيّة ، فكلاهما في الحقيقة تسعيرٌ ، فإذا قلنا : البيوت سعّرت ووضعنا بدل البيوت الجحيم ، يكون المراد : الجحيم سعّرت ، ويكون معناها القيمة السوقيّة ، وإن قلنا : النشاطات والأعمال لكان معناها القيمة الأخلاقيّة ، إلّا أنَّه يلزم أن نلتفت إلى كلّ ما هو ممكنٌ من الاحتمالات .
والظاهر : أن ليس هناك ارتباطٌ بين الحرارة والقيمة إطلاقاً ، بل هما من الاشتراك اللفظي في مادّةٍ واحدةٍ ، وسببه تعدّد الوضع ، وليس أحدهما أصلًا للآخر .
فقوله تعالى : وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ يمكن أن يكون بكلا المعنيين ، فسعرّت بمعنى حميت ، وسعرّت بمعنى قيمت .
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 86 ، مادّة جحم .
( 2 ) المصدر السابق : 238 ، مادّة سعر .