في تفريق الناس عنهم وازدرائهم لهم .
لكن هنا ينبغي أن ننظر إلى أمرين :
الأوّل : أنَّ تأثير هذا الكلام من الكفّار إنَّما هو بالتسبيب ، في حين أنَّ مسبّب الأسباب ناصرهم ودافع البلاء عنهم .
ونحن نجد أنَّ المدد الإيماني في كلّ الأجيال متصاعدٌ رغم أنف الجاحدين والمعاندين ؛ طبقاً لقوله تعالى : إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ « 1 » .
الثاني : أنَّ الصحيح أنَّهم يسبون المؤمنين ظاهراً ، إلّا أنَّهم يحترمونهم في دخيلة نفوسهم ويعتبرونهم خيراً منهم ، وقد يصرّحون أحياناً بذلك من باب زلّة اللسان ، كقوله تعالى : أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ « 2 » . فإذا اختلف اللسان والجنان لم يتجاوز القول الأذان .
وهذه القاعدة لا يختلف فيها الحال في القول الحقّ عن القول الباطل . وأمّا كونه نفعاً للمؤمنين فمن عدّة وجوهٍ محتملةٍ :
أوّلًا : أنَّه من البلاء الدنيوي الذي يحصلون الثواب عليه .
ثانياً : أنَّه من البلاء الدنيوي الذي يكون سبباً لتكاملهم .
ثالثاً : أنَّه ضمناً من النصيحة ؛ لأنَّه يمكن للفرد من المؤمنين أن يرجع إلى نفسه ويقول : هل فيَّ نقصٌ أو عيبٌ أو ذنبٌ حتّى قالوا عنّي ذلك ؟ فإذا التفت إلى نفسه بادر إلى إصلاحها ، وخاصّةً إذا التفت إلى المعنى الذي أعطيناه حين قلنا : إنَّه يمكن حمل هذا الكلام على كونه صواباً وحقّاً ، فإذا كنت ضالًا حقّاً
هامش
( 1 ) سورة محمّد ، الآية : 7 .
( 2 ) سورة النمل ، الآية : 56 .