قوله تعالى : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ :
( كلا ) إشارةٌ إلى أنَّ التكذيب المشار إليه في الآيات السابقة ليس عشوائيّاً ، بل كان نتيجة قانونٍ معيّنٍ ، وهو وجود الرين على القلب . فلو لم يكن موجوداً لما حصل التكذيب ، كما أنَّ حصول الرين ليس عشوائيّاً ، بل هو نتيجة ما كانوا يكسبوه ، يعني : يعملون من أعمالٍ سيّئةٍ وعصيانٍ ، على ما سوف يأتي في بيانه .
فكأنَّه حصل السؤال : أنَّه هل كذّب المكذّب بطبعه وبصفاء نفسه ؟ إذن فالبشر كلّهم يجب أن يكذّبوا ؛ لأنَّ المطلب أساساً مخالفٌ للطبع البشري . أو يُقال : بل حصل التكذيب باعتبار الطبع الثانوي الذي حصوله نتيجةٌ للأعمال السيّئة السابقة ، وهو الرين على القلب .
قال الراغب : الرين الصدأ يعلو الشيء الجليل . قال : بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ « 1 » أي : صار ذلك كصدأ على جلاء قلوبهم ، فعمي عليهم معرفة الخير والشرّ . قال الشاعر : ( إذا ران النعاس بهم ) « 2 » . وقد رين على قلبه « 3 » .
وفي تفسيره بعض المناقشات :
أوّلًا : أنَّ الرين هو الصدأ ، ولا دخل للشيء الجليل به ، إلّا أن يوصف الصدأ بالجليل يعني : الكثير ، إلّا أنَّه خلاف ظاهر عبارة الراغب ، يعني : هو مطلق الصدأ ، سواء أصاب شيئاً جليلًا أم حقيراً . وإنَّما المهمّ أن يكون الصدأ
هامش
( 1 ) سورة المطفّفين ، الآية : 14 .
( 2 ) لم نعثر عليه بلفظه . نعم ، ورد نحوه مع اختلافٍ يسيرٍ في أمالي القالي 130 : 1 ، والمفضلّيات 23 : 1 .
( 3 ) مفردات ألفاظ القرآن : 214 ، مادّة ( رين ) .