يجدون عندهم من الوعي وتطوّر الفكر ، فقد أصبحت بنحو الوصف الثابت لهم .
كما أنَّ هذا لا يتعيّن في قوله تعالى : أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا ؛ لأنَّ المراد اتّهامه بأنَّه يأخذ علمه من كتابات السابقين ، أعمّ من أن تكون حقّاً أو باطلًا ، بل لعلّه مع اعتقادهم بأحقّيتها ؛ لأنَّها من مواريث أنبيائهم .
ولا شكّ أنَّنا الآن نطلق معنى الأُسطورة على كلّ فكرةٍ كاذبةٍ أو خرافيّةٍ ، سواء كانت مكتوبةً أم لا ، بل كانت مجرّد فكرةٍ موروثةٍ . فيُراد عندئذ من الآية الكريمة أساطير الأوّلين أي : أفكار الأوّلين بصفتها أفكاراً فاسدةً وباطلةً ومتخلّفةً .
بقيت بعض الخطوات التي أهملها الراغب :
أوّلًا : أنَّ المتكلّم الذي يقول : ( هذه أساطير الأوّلين ) يعني : أنَّه يحتقر أساطير الأوّلين ، ففي الآية إشعارٌ بأنَّ أساطير الأوّلين محتقرةٌ ومهانةٌ أو قل : باطلةٌ .
فلماذا كان هذا الرجل يحتقر أساطير الأوّلين ، مع أنَّ البشريّة دائماً في تطوّرٍ ، فكلّ جيلٍ يعتبر نفسه آخر الأجيال ، والأجيال السابقة كانت أدنى فهماً ووعياً وثقافةً ، فأساطيرهم أقلّ فهماً ووعياً وثقافةً ؟ !
ثانياً : أنَّنا الآن نشعر أنَّ الأساطير لا ضرورة إلى كتابتها إلّا أن تكون مسطورةً أو مكتوبةً ، وإنَّما هي فكرةٌ تسمّى باللغة اللاتينيّة ( إيديولوجي ) ، أي : هي ارتكازاتٌ اجتماعيّةٌ عرفيّةٌ أغلبها باطلٌ ومتدنٍّ .
ويُراد بقوله : ( اكتتبها ) أي : إنَّه حُمل على كتابتها ، ولم يكن ذلك بمحض اختياره وإرادته ، وأنَّها كانت مجرّد أفكارٍ ، فكتبها على الورق . إلّا أنَّ هذا الفهم
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 221
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٢١