ولا يخفى : أنَّه لو اختصّت بالأهمّ فالأهمّيّة تختلف بالنسبة إلى الناس ، فأهل الدنيا يفضّلون النعم المادّيّة ، وأهل العلم يفضلون النعم العلميّة ، وأهل القلوب يفضلون النعم المعنويّة . وفي الخبر : أنَّ كلّ النعم المعنوية لا تساوي باقة بقدونس « 1 » ، أي : في نظر أهل الدنيا . أو إنَّ المراد : أنَّك تتحدّث بسبب نعمة ربّك ؛ فإنَّ ( حدّث ) فعل . وإن كان يفيد المستقبل .
هذا كلّه إذا كان المراد من ( حدّث ) الحديث وهو الكلام أو الخبر ، كما وردت الإشارة إليه في القرآن الكريم كثيراً ، كقوله تعالى : هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ « 2 » ، وقوله : فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ « 3 » ، وقوله : أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ
تَعْجَبُونَ « 4 » ، وقوله : فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا « 5 » ، وقوله : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنْ اللَّهِ حَدِيثًا « 6 » . ولكن لا ملازمة بين الأمرين ، وليس في القرآن سياقٌ واحدٌ للمعنى ليعرف المشكوك والمعلوم .
ومن هنا أمكن أن يُراد بمادّة ( حدّث ) أمران آخران :
الأوّل : الحدوث .
والثاني : التحديث بمعنى الجدة .
فعلى الأوّل يعني : أوجد نعمة ربّك ، أي : سبّب إلى وجودها في حدود
هامش
( 1 ) لم نعثر على مضمون هذا الخبر في المجامع الحديثيّة .
( 2 ) سورة الغاشية ، الآية : 1 .
( 3 ) سورة الطور ، الآية : 34 .
( 4 ) سورة النجم ، الآية : 59 .
( 5 ) سورة النساء ، الآية : 78 .
( 6 ) سورة النساء ، الآية : 87 .