نفس كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ « 1 » كالجنّ والملائكة والحيوانات والبشر ، كلّ واحد على المقدار الذي له . ولذا قال : فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا « 2 » أي : المناسب لها .
فإن قيل : الفجور شرّ ، والشرّ لا وجود له ؛ لأنَّه عدمٌ ، والعدم لا يمكن إركازه في النفس .
قلنا : أوّلًا : إنَّ كون الشرّ أمرٌ عدمي مختلفٌ فيه بين الفلاسفة ، فإذا قلنا بكونه وجوديّاً انسدّ السؤال .
ثانياً : إنَّ الشرّ وإن كان عدماً عقلًا ، إلّا أنَّه وجودٌ عرفاً ، والكلام بحسب العرف ، وهو كافٍ في الغرض .
ثالثاً : إنَّ في الآية لا يوجد عنوان الشرّ ، بل الفجور وفي الآية الأُخرى : وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ وكلاهما وجودي ، ولا حاجة إلى تفسيره بالشرّ بنحو الترادف .
رابعاً : إن تنزّلنا عن كلّ ما سبق لابدّ من التفسير بالشرط والتنزّل عن المقتضي ، فشرط الشرّ موجودٌ .
خامساً : إنَّ الملحوظ هنا حبّ الشرّ والفجور أو الخير والتقوى .
سادساً : إنَّ الموجود هو القدرة على الشرّ والخير بغضّ النظر عن فعليتهما . والقدرة على العدم بالقدرة على الحدود الوجوديّة له .
فإن قلت : لماذا قدّم الفجور على التقوى ؟
قلنا : أوّلًا : لأنَّه أغلب خارجاً .
ثانياً : لأنَّه أوضح في النفس ؛ لأنَّ الفرد أوّل ما يشعر بشهواته .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 185 .
( 2 ) سورة الشمس ، الآية : 8 .