فان قلت : إنَّ جعلهم ضالّين بهذا النحو يلزم منه القول بالجبر .
قلت : أوّلًا : إنّنا يمكن أن نتنازل عن هذا الوجه إلى الوجوه الأُخرى ، فلا يلزم القول بالجبر .
ثانياً : ليس كلّ إضلالٍ يلزم منه الجبر ، وإن كان الإضلال الابتدائي كذلك ، إلّا أنَّ هناك أنواعاً من الإضلال إنّما يحصل كعقوبةٍ على ذنوب سابقة ، وهي من العقوبة المعجّلة في الدنيا ، سواء كانت ظاهريّة أو معنويّة .
فمن العقوبات الظاهرية قوله تعالى : فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ « 1 » .
ومن العقوبات المعنويّة المعجّلة قوله تعالى : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ « 2 » وقوله سبحانه : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ « 3 » .
الوجه الثاني : أنَّ المراد إفشالهم في حملتهم تلك ، والضلال هو الفشل : إمّا مجازاً أو باعتباره حصّة منه بنحو المشترك المعنوي .
وهذا هو الأظهر ، بل إنَّ هدف السورة هو الحديث عن تلك المعجزة الإلهيّة التي أوجبت النعمة بفشل الجيش المعادي .
الوجه الثالث : أنَّ الضلال لا ينحصر في التيه ، بل هو التخطيط القاصر وعدم توقّع الحوادث ؛ فإنَّهم مهما كانوا قد أخذوا الأُمور بنظر الاعتبار لم يكونوا يتوقّعون حصول المعجزة بردِّهم عن الكعبة ، فعدم التوقّع هذا ضلالٌ
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية : 82 .
( 2 ) سورة التوبة ، الآية : 77 .
( 3 ) سورة الجاثية ، الآية : 23 .