الأُطروحة الثانية : أنَّه لا يُراد شيءٌ من ذلك الماضي والمستقبل ، وإنّما يُراد بها مطلق الشأنيّة المنسلخة عن الزمان والمكان .
فهذه الألفاظ ( عبد ، عابد ، تعبدون ، عبدتم ) ألفاظ لغويّة وبيانات تدلُّ على معنىً أعمق من سطحها وتفاصيلها العرفيّة ، وهو معنى الشأنيّة .
ويكون المعنى : أنَّه ليس من شأنهم أن يعبدوا الله ، كما ليس من شأن النبي ( ص ) أن يعبد الأصنام .
وأمّا التعبير بالماضي أو الحال أو اسم الفاعل ونحو ذلك فلا أهمّيّة له ، بل المهمّ المفارقة والمزايلة بين فسطاطين من القلوب ، وليس من شأن أيِّ واحدٍ منهما أن يدخل في الآخر .
فإن أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ التكرار كان لأجل التأكيد الشديد ، كما قلنا في الوجه الأوّل ، صحَّ ذلك تماماً ، وإلّا لم يتمّ ؛ لأنَّ التكرار بالشأنيّة سيكون بلا موجبٍ ، واختلاف الزمان لا اعتبار به ، كما مال إليه القاضي عبد الجبّار « 1 » .
وهنا يمكن أن نلاحظ أمرين :
الأمر الأوّل : أنَّ قوله : وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فيه دلالة على أنَّ ما يعبده النبي ( ص ) واحدٌ ، لذا تمّ تكراره باللفظ ؛ لعدم وجود دالٍّ آخر عليه ، بخلاف الطرف الآخر - أي : الكفار - فإنَّ ما يعبده الكفّار متعدّدٌ ، كالأصنام والنفس ، قال تعالى : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ « 2 » والشياطين ، قال تعالى : وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ « 3 » وغيرها .
هامش
( 1 ) ( 1 ) يعني : أنَّه مال إلى اعتبار الزمان كما سبق . ( منه + ) .
( 2 ) سورة الجاثية ، الآية : 23 .
( 3 ) سورة الأنعام ، الآية : 121 .