أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ « 1 » وقال : كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ « 2 » وقال ثُمَّ تُوَفَّى كلّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ « 3 » إلى غير ذلك من الآيات .
فمن الواضح من تلك الآيات : أنَّ ( كَسَبَ ) بمعنى الفعل الاختياري ونتائجه ، وليس بمعنى المال .
ولم يرد الكسب بمعنى المال في القرآن إلّا في موردٍ واحدٍ ، وهو قوله تعالى : أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ « 4 » أي : من المال الحلال ، أمّا بقيّة الآيات الكريمة فهي غير ظاهرةٍ في المال ، بل الظاهر منها ما هو الأعمُّ من فعلٍ اختياري من طاعةٍ وعصيانٍ .
ومن هنا قال المعتزلة باصطلاح الكسب في علم الكلام ، يريدون الفعل الاختياري أو نتائجه الدنيويّة أو الأخرويّة ، ولم يوافقهم على اصطلاحهم هذا الإماميّة والأشاعرة .
أمّا الأشاعرة فلأنَّهم مجبِّرة ، وأمّا الإمامية فلأنَّهم نفوا الجبر والتفويض ، في حين يكون الكسب أقرب إلى معنى الجبر ؛ لأنَّ إسناده إلى الله سبحانه ، ويصبح كأنَّه لصيق بالعبد لا يمكن انفكاكه عنه ، والكلام عنه في محلّه .
فإنَّ قيل : فإنَّ الكسب في القرآن الكريم مسندٌ إلى الفاعل البشري .
قلنا : نعم ، وهو فعله الاختياري ، إلّا أنَّه استعمالٌ مجازي ، فلا يصلح أن يكون اصطلاحاً ؛ لأنَّه يجب أن يقوم على معنى حقيقي .
هامش
( 1 ) سورة غافر ، الآية : 82 .
( 2 ) سورة الطور ، الآية : 21 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 281 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية : 267 .