ولكنْ لو اقتصرنا على ما ذكره الميزان ، كان معناه : أنَّ اليدين هي سبب الذنوب كلَّها ، وليستا كذلك ؛ فإنَّ العين والبطن وغيرهما سببٌ للذنوب أيضاً . نعم ، ذُكرت اليدان لأهمّيّتهما في مورد التنزيل .
الأمر الثاني : أنَّه ذكر الجزء وأراد به الكل ، كما عبّر عن الإنسان بالرقبة في قوله : فَكَّ رّقَبَةٍ « 1 » ، فيكون معنى : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَب أنَّه تبٌّ كلُّه .
وينبغي بحسب الحكمة الإلهية أنْ يخصَّ الأوّل للبعض والثاني للكلِّ ؛ لأنَّه قال : تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ، وبهذا نجيب عن السؤال الآتي :
سؤال : ما الحاجة إلى تبّ الثانية ؟
جوابه لأمرين :
الأمر الأوّل : تغيير نسق الآيات ؛ فإنَّه وإنْ كان حرف الباء موجوداً في نهايات الآيات ، إلّا أنَّ حذفها - أعني : تبّ الثانية - يؤدّي إلى تكرار لفظ اللهب مرّتين ، وهو على خلاف الحكمة والبلاغة .
وهذا هو الفرق بين ( القافية ) و ( النسق ) : ففي القافية قد يستعمل نفس اللفظ بمعنيين ، بخلافه في النسق ، فقد ذُكرت ( تبَّ ) الثانية لمنع ذلك ، وهو ما حصل فعلًا .
الأمر الثاني : أنَّه من عطف الكلِّ على الجزء ، أي : تبّت يداه ، بل تبّ كلُّه ؛ لعدم الملازمة بين تباب اليد وتباب الكلِّ ؛ فإنَّ المقصود بتباب اليد هو أعمالها الفاسدة ، فيكون المعنى : تبَّ عمل أبي لهب . ولا ملازمة بين عمله وذاته كما قلنا ، فإنَّ العمل قد يُغفر وتناله الرحمة والشفاعة ، وعندئذٍ لا يكون التباب
لذاته ، إلّا أنَّه إذ تبَّ كلّه تعيّنت عليه النار ؛ باعتباره غير مستحقٍ للتوبة .
هامش
( 1 ) سورة البلد ، الآية : 13 .