إلّا أنَّ هذا الجواب يصلح ( أُطروحة ) وإن كانت اجماعيّة بين المفسّرين .
إلّا أنَّه يمكن تقديم أُطروحات أخرى ؛ لأنَّ الله تعالى استعمل معنىً قابلًا للانطباق على حصص متعدّدة ، ولم يذكر العقد ما هي ، ولا أنَّ النافث من هو ، ولا أنَّ العقد شرٌّ ، بل قد تكون خيراً ، بل قد يكون النفث خيراً ، لكنَّه لا يخلو من شرٍّ ، كما سيأتي .
ومن هنا يمكن أن نعرض عدّة أُطروحات في معنى العقد والنفث منها :
الأُطروحة الأُولى : العقد هي ملكات السوء التي في الإنسان ؛ باعتبار أنَّ الملكة هي الصفة الراسخة غير القابلة للانفكاك ، فتشبه العقدة .
والنفث فيها هو التسبّب إلى بقائها وزيادتها ، كالنفخ في النار لأجل زيادتها .
الأُطروحة الثانية : أن تكون العقد ملكات الخير للإنسان ، والنفث فيها هو التسبّب لإضعافها وإزالتها .
الأُطروحة الثالثة : العقد هو السلوك الصالح للإنسان ، وهو الاعتياد على طاعة الله سبحانه ، والنفث فيه هو محاولة إفساد ذلك وتبديله .
الأُطروحة الرابعة : العقد هو السلوك الطالح للإنسان أو الحال السيّئ له دنيويّاً وأُخرويّاً ، والنفث فيه هو معاونته ومحاولة زيادته « 1 » .
هامش
( 1 ) فالتقسيم يكون على أحد شكلين :
أحدهما : أنَّ صفات الإنسان : إمّا صالحة وإمّا طالحة .
ثانيهما : أنَّ صفات الإنسان : إمّا ظاهريّة وإمّا باطنيّة ، أي : ( الملكات الحسنة والملكات الرديئة ، فتكون معاني العقد أربعة حاصلة من ضرب 2 * 2 ) .
والمراد بالملكة الصفة الراسخة في النفس فنعبّر عنها مجازاً بالعقدة ؛ لأنّها صعبة الانفكاك ، ومنها العقد النفسيّة ( باللغة الحديثة ) . وكذلك يمكن أن نسمّي سلوك الإنسان ( عقدة ) إذا كان ملتزماً به ويمثّل شخصيّته وحياته : شرّاً أو خيراً ، فالسلوك بمنزلة المعلول والملكات بمنزلة العلّة أي : إنَّ الملكات الحسنة تنتج سلوكاً حسناً ، والملكات السيئة تنتج سلوكاً سيّئاً . فالنظر يكون إمّا من جانب العلّة ، وإمّا من جانب المعلول ، وكلّه من سنخ العقد ؛ لترسّخه وقوته ( منه + ) .