العدمي الذي شرّ ، فهو انفصال أحد الجزئين عن الآخر بالضربة . وكذلك الموت هو أمرٌ عدمي ؛ لأنَّه انفصال الروح عن البدن .
وينتج من ذلك : أنَّ الشرّ ما دام عدماً فإنَّه لا تتعلّق به القدرة والمشيئة ، وإنّما تتعلّق بما هو موجودٌ ؛ لأنَّ العدم لا يمكن أن يوجد بما هو عدمٌ . وعالم الخارج ليس صقعاً للعدم ، وإنّما هو صقعٌ للوجود خاصة .
وهذا لا ينافي ما قلناه من : أنَّ الله تعالى على كلّ شيءٍ قديرٌ ؛ لأنَّ العدم هنا ليس عدماً محضاً بالمعنى الفلسفي ، بل هو بمعنى : النقص ، وإيجاد الناقص معقولٌ من حيث كونه موجوداً ؛ فالله تعالى قادرٌ على العدم بقدرته على الموجودات .
الرأي الثالث : أنَّ الخير والشرَّ أمران انتزاعيّان ذهنيّان ، أو قل : إنَّهما قيمتان أخلاقيّتان مدركتان للذهن ، وأمّا الخلقة الخارجيّة فلا خير ولا شرّ ، وإنَّما هي وجود .
والقيمة الأخلاقيّة الانتزاعيّة تختلف باختلاف الجانب الحاكم بتلك القيمة ، ويوجد في باطن الإنسان عدّة ملاكات مقيّمة للأشياء ، لا أقلَّ من أمرين :
الأوّل : العقل العملي ، وهو حاكمٌ عادلٌ ، وكلُّ قضاياه صادقة ، ركزه الله تعالى فينا لنفعنا وهدايتنا ، وليس فيه خطأٌ ، وهو الذي يحكم بحسن العدل وبقبح الظلم .
وكان الشيخ المظفّر ( قدس سره ) ينزله إلى معنى حكم العقلاء « 1 » ، ولكنّني أراه
فوق ذلك ، بحيث لو زال العقلاء كلُّهم بقي ذلك الحكم صادقاً في نفسه .
هامش
( 1 ) أُصول الفقه 277 : 2 ، الباب الأوّل : المستقلّات العقليّة ، العقل العملي والنظري .