تكون معروضة لهذا المعنى ، كما أن العلة المفيضة على الاطلاق انما كونها أصلا ومبدأ ومتبوعا هو عين ذاته ، فإذا ثبت تناهي سلسلة الموجودات من العلل والمعلولات إلى ذات بسيطة الحقيقة النورية الوجودية متقدما عن شوب كثرة ونقصان ، وامكان وقصور وخفاء بريء الذات عن تعلق بأمر زائد حال أو محل ، خارج أو داخل ، وثبت انه بذاته فياض ، وبحقيقته ساطع ، وبهويته منور للسموات والأرض ، وبوجوده منشأ لعالم الخلق والأمر - تبين وتحقق ان لجميع الموجودات أصلا واحدا هو الحقيقة والباقي شؤونه ، وهو الذات . . وغيره أسماؤه ونعوته ، وهو الأصل وما سواه أطواره ، وشؤونه ، وهو الموجود وما وراءه جهاته وحيثاته . ولا يتوهمن أحد من هذه العبارات أن نسبة الممكنات إلى ذات القيوم تعالى نسبة الحلول ، هيهات ان الحالية والمحلية يقتضيان الاثنينية في الوجود بين الحال والمحل ، وها هنا عند طلوع شمس التحقيق ظهر ان لا ثاني للوجود الواحد الأحد الحق ، واضمحلت الكثرة الوهمية » .
وقال في مقام آخر من كتاب « الأسفار » : « ان الصديقين من الصوفية يفنون عن رؤية أنفسهم ، ولا يرون الا اللّه . . انهم يصلون إلى مقام الوحدة من غير شبهة الاتحاد » أي انهم موحّدون ، وليسوا من القائلين بوحدة الوجود .
وما ذهب اليه صاحب الأسفار من نفي الحلول والاتحاد عن كثير من الصوفية يتفق مع أصول الدين ومبدأ الشريعة القائل : « الحدود تدرأ بالشبهات » فمهما أمكن تأويل كلامهم وحمله على ما لا يتنافى مع الدين فهو المتبع .
وذلك مثل قول الشّبلي : « ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه معه » ، وقول الجنيد : « والآن ليس مع اللّه شيء » حين سمع الحديث الشريف :
« كان اللّه ، ولم يكن معه شيء » .
معالم الفلسفة الإسلامية ( نظرات في التصوف والكرامات ) — صفحة 235
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٢٣٥