المثوبة عليه ، مع أنّ الأمر ليس كذلك ؛ فإنّ الحيوانات أيضاً لها عزم وإرادة ، ويكون صدور الأفعال منها عن إرادة وعزمٍ في مقابل صدورها عن الطبائع ، مع أنّ العقوبة والمثوبة على أفعالها ممّا لا وجه لهما .
بل التحقيق : أنّ ما يوجب استحقاقهما عليهما عقلًا إنّما هو الاختيار ، وهو عبارة عن تشخيص الخير وطلبه ، وقد مرّ « 1 » أنّ الإنسان خلق من لطائف العوالم العلوية ولطائف العوالم السفلية ، كما قال اللَّه تعالى :
إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ
« 2 » والنطفة الأمشاج - أيالمختلطة « 3 » - هي النطفة المعنوية والتخمير الإلهي من اللطائف العلوية والسفلية .
ولكلٍّ من اللطيفتين ميول إلى عالمها ؛ فالإنسان باللطيفة العلوية يميل إلى العالم العلوي ، ودار ثواب اللَّه ، ويتوجّه إلى الحقائق الغيبية ، وباللطيفة السفلية يميل إلى العالم السفلي ، ويتوجّه إلى الشهوات النفسانية ، واللَّه تعالى جعل فيه قوّة العقل والتمييز ، وأيّده بالعقول الكاملة الخارجية ؛ من الأنبياء والمرسلين ، والأولياء والعلماء الكاملين .
فهو دائماً يكون بين الميول المختلفة العلوية والسفلية ، وله قوّة العقل والتمييز بين الحسن والقبح ، فإن رجح - بحسب ميوله العلوية ، وتأييد العقل الداخلي والخارجي - جانب العلوّ ، ورأى خيره فيه واصطفاه واختاره ، يشتاق إليه ويريده ، ويفعل ما يناسبه .
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 34 - 36 .
( 2 ) - الإنسان ( 76 ) : 2 .
( 3 ) - تاج العروس 2 : 100 - 101 .