الثاني : أنّه لو أتى عدّة من المكلّفين بالمأمور به في عَرض واحد
، هل يكون المجموع مطيعاً ، أو واحد منهم ، أو كلّ واحد منهم ؟
التحقيق : هو الأخير ؛ لأنّ المجموع - كما عرفت - لا وجود له حتّى يطيع أو يعصي ، بل الموجود هو كلّ واحد ، ولا معنى لمطيعية واحد بعينه أو لا بعينه ، بل المطيع هو الجميع ؛ فإنّ التكليف - كما عرفت - إنّما تعلّق بهم على نحو الاستغراق ، والفرض أنّ كلّ واحدٍ منهم آتٍ بالطبيعة المأمور بها ، فيكون مطيعاً .
وهذا فيما نحن فيه أوضح ممّا ذكرنا في مبحث المرّة والتكرار « 1 » من أنّ المكلّف لو أتى بفردين أو أفراد من المأمور به ، يكون مثاباً بعدد الأفراد المأتيّ بها ؛ لأنّ الطبيعة المأمور بها حصلت بكلّ واحدٍ من الأفراد .
وجه الأوضحية : أنّ المكلّف في ذلك المبحث لمّا كان واحداً ، ونفس الطبيعة هي المأمور بها ، يمكن أن يقال : إنّ الطبيعة المطلقة مع تكثّر الأفراد لا تخرج عن وحدتها ، والمأتيّ بها إنّما هي الطبيعة المشتركة ، وهي واحدة ، ولكن فيما نحن فيه لمّا كان المكلّف كلّ واحد من أفراد المكلّفين ، فإتيان كلّ واحد منهم بالطبيعة في عرض واحد ، إتيان بنفس الطبيعة المأمور بها ، والإطاعة لا تنتزع إلّامن ذلك ، فكلّ واحد منهم مطيع مثاب .
هامش
( 1 ) - تقدّم في الصفحة 69 .