اليه ، هو ان ظلم الطواغيت الذي لحق وديعتي الرسول الأكرم ( ص ) هاتين ، لحق الأمة الاسلامية ، بل البشرية جمعاء ، وان القلم ليعجز عن بيان ذلك .
ولا يفوتني هنا التذكير بان حديث ( ( الثقلين ) ) متواتر بين جميع المسلمين ، فقد نقلته كتب أهل السنة ، بدءً من ( ( الصحاح الستة ) ) ، حتى الكتب الأخرى بألفاظ مختلفة وفي أبواب عديدة متواتراً عن رسول الله ( ص ) وبذا فالحديث الشريف يعد حجة قاطعة على البشر جميعاً ، خصوصاً المسلمين على اختلاف مذاهبهم . وعليه فان على جميع المسلمين اللذين تمت الحجة عليهم ان يوضحوا موقفهم إزاء ذلك ، وان كان ممكناً التماس العذر للجاهلين غير المطلّعين ، فلا عذر للعلماء من كلّ المذاهب .
ولنرى الآن ا الأمور المؤسفة التي جرت على كتاب الله هذه الوديعة الالهيّة وأمانة رسول الاسلام ( ص ) فهي ممّا يبعثُ على البكاء بدل الدموع دماً ، والتي ابتدأت بعيد شهادة عليّ ( ع ) فقد اتخذ المستبدون والطواغيت من القرآن وسيلة لإقامة الحكومات المعادية للقرآن ، واقصاء المفسرين الحقيقيين للقرآن والعارفين بحقائقه من أولئك اللذين اخذوه عن رسول الله ( ص ) وسمعوه عنه وممن كان نداء " اني تاركٌ فيكم الثقلين " يملأ اسماعهم عن موقع القرار باسم القرآن وبذرائع مختلفة ومؤامرات محاكة سلفاً .
وفي الحقيقة فان هؤلاء الطواغيت عملوا على ابعاد القرآن الذي يعدُّ أعظم منهج للحياة المعنوية والمادية للبشرية حتى يوم الورود الحوض عن واقع الحياة وقضوا بذلك على حكومة العدل الإلهي التي تمثل أحد أهداف هذا الكتاب المقدس ، وأسسوا للانحراف عن دين الله وعن الكتاب والسنة الإلهية ، حتى بلغ الأمرُ مبلغاً يخجل القلم عن ايضاحه .
وكلّما استطال هذا البنيان المعوج ازداد به الانحراف والاعوجاج ، حتى وصل الامر حداً أقصي فيه القرآن الكريم عن ميدان الحياة وأصبح وكأنه لا دورله في الهداية ، وهو الكتاب الذي تنزّل من مقام الأحدية الشامخ إلى مقام الكشف المحمدي التام لارشاد العالمين ، وليكون نقطة الجمع لكل المسلمين ، بل للعائلة البشرية جمعاء هادفاً ايصالها إلى ما يليق بها ، وتحرير وليدة علم الأسماء من شر الشياطين والطواغيت وإقامة القسط والعدل في العالم وتفويض أولياء الله المعصومين ( عليهم صلوات الأولين والآخرين ) أمر الحكومة يسملونها بدورهم لمن يرون فيه صلاح البشرية . وإذا بالقرآن يصبح على أيدي الحكومات الجائرة ووعاظ السلاطين اللذين يفوقون الطواغيت سوءً وسيلة لإقامة الجور والفساد وتبرير ظلم الظالمين والمعاندين للحق تعالى .
ومن المؤسف ان يقتصر دور القرآن الكريم وهو كتاب الخلاص وبسبب المتآمرين والأصدقاء الجهلة ، في المقابر والمآتم ، ويصبح وهو النازل لجمع المسلمين والبشرية جمعاء وليكون منهجاً لحياتهم وسيلة للتفرقة والاختلاف أو أنّه يُهجر كليّاً . وقد رأينا كيف كان يعامل من تلفظ بشيءٍ عن الحكومة الاسلامية أو تحدث عن السياسة وكأنّه قد ارتكب
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 357
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٥٧