بنيّتي ! إن الانشغال بالعلوم وحتى العرفان والتوحيد إن كان بهدف جمع المصطلحات - وهو كذلك - وبهدف هذه العلوم نفسها لن توصل السالك إلى هدفه بل تبعده عن ذاك . العلم هو الحجاب الأكبر . وإذا كان الهدف طلب الحق وحبّه وهو نادر جداً ، فإنه سيكون سراجاً للطريق ونوراً للهداية ( العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء ) « 1 » وإن بلوغ جزء منه يتطلب التهذيب والتطهير والتزكية . تهذيب النفس وتطهير القلب من غيره ، فما بالك بالتهذيب من الأخلاق المذمومة التي يتطلب الخلاص منها جهاداً كبيراً وكذلك تهذيب العمل مما يخالف رضاه - جل وعلا - . والمواظبة على الأعمال الصالحة نظير الواجبات التي هي في المقدمة والنوافل قدر المستطاع ، حتى لا يصاب الانسان بالغرور والتكبر .
بنيّتي ! إن التكبر والغرور يمثلان غاية جهل الانسان بحقارته وعظمة الخالق . فلو نظر الانسان إلى عظمة الخلق حسب ما توصلت إليه العلوم الحديثة التي كشفت قليلًا منها فإنه سيدرك حقارته وحقارة المجموعة الشمسية والمجرات وسيشعر بالخجل من تكبره كما يشعر بجهله . ففي قصة سليمان - عليه السلام - أنه عندما كان يمر بوادي النمل : ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنّكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون ) « 2 » فقد وصفت النملة النبي سليمان وجنوده بأنهم لا يشعرون ويقول له الهدهد : ( أحطت بما لم تحط به ) « 3 » إن من عميت قلوبهم لا يتحملون نطق النملة والطير فكيف يمكنهم تحمل نطق ذرات الوجود وما في السماوات والأرض حيث قال خالقها . . . ( إلّا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) « 4 » .
إن الانسان الذي يعتبر نفسه محور الخلق - وهو صحيح بالنسبة للانسان الكامل - قد لا يكون كذلك في نظر سائر الكائنات ، والانسان الذي لم يبلغ الكمال ليس كذلك ( مثل الذين حمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار ) « 5 » فهذا يشمل التطور العلمي الذي يفتقر إلى التهذيب فقد ورد في وصف هؤلاء قوله عزّ من قائل : ( كالأنعام بل هم أضل ) « 6 » .
بنيتي ! لقد بعث الأنبياء بهدف إيصال البشر للكمال المعنوي وإنقاذهم من الحجب فوا أسفاً إن الشيطان الذي أقسم ، قد منع الأنبياء من تحقيق ما كانوا يريدونه ( فبعزتك لأغوينهم أجمعين ) « 7 » وقد فعل ذلك على يد أتباعه . إننا جميعاً نيام ونعاني من الحجب ( الناس نيام وإذا
هامش
( 1 ) ( 1 ) بحار الأنوار 225 : 1 / 17 .
( 2 ) ( 2 ) سورة النمل ، الآية 18 .
( 3 ) ( 3 ) سورة النمل ، الآية 22 .
( 4 ) ( 4 ) سورة الإسراء ، الآية 44 .
( 5 ) ( 5 ) سورة الجمعة ، الآية 5 .
( 6 ) ( 6 ) سورة الأعراف ، الآية 179 .
( 7 ) ( 7 ) سورة ص ، الآية 82 .