ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور ) « 1 » وإصلاح النفس والإقبال على الله هو النور الذي تقابله ظلمات كثيرة ابتلى الإنسان بها ، منها ما اشتدت داخله ، وسوّدت باطنه ، ومنها ما لفّت المجتمع المحيط به . وعندما ينجو الإنسان من حلكة الظلمات يفوز بالنور الواحد ، ويعود الجميع إلى مبدأ واحد يجب أن يعودوا إليه .
الأنانية منشأ جميع الظلمات
جاء الرسل لنجاة هؤلاء الذين غرقوا في الظلمات ، فهم لا يرون الّا أنفسهم ، ولا يريدون شيئاً الا لأنفسهم ، ولا يعيرون الآخرين أهمية وقيمة ، وكل ما هو موجود يريدونه لأنفسهم ، جاءوا لنجاة هؤلاء من ظاهرة الأنانية وحب النفس التي هي منشأ جميع الظلمات وإيصالهم إلى الإيمان بالله الذي هو النور . والذين وصلوا إلى مقام الإيمان بالله الذي هو مرتبة من الكمالات ، لا يفكّرون مثل ما نفكّر نحن . فهؤلاء يفكرون بغيرهم قبل أن يفكروا بأنفسهم ، إن الرسول الأكرم كان يعزّ عليه ويغتم للكافرين الذين لم يسلموا ولم يصبحوا مؤمنين . وقد جاء في الآية الكريمة : ( لعلك باخع نفسك الّا يكونوا مؤمنين ) « 2 » . كان الرسول يريد لجميع العالم التوصل إلى النور ، فقد بعث لكي ينهي جميع هذا الصخب الموجود في الدنيا ، وهذا الصخب هو لأنفسهم ، للتوصل إلى السلطة ، ولكي يقضي على هذا الصخب ويزرع في نفوس الناس بذر الإيمان بالله والتوجه نحو النور الذي إذا بلغه الناس حلّت نزاعاتهم ، وسادهم الوئام والسلام .
انعدام الإيمان ؛ مصدر الخلاف والنزاع
لو اجتمع الأنبياء كلهم في مكان واحد ، لما تنازعوا فيما بينهم قط . إن فرضتم أنّ جميع الأولياء والأنبياء جاءوا إلى الدنيا ، فإنهم لن يتنازعوا أبداً . لأن النزاع منشؤه حب الذات . وهذه الظاهرة تبدأ من النفس ، وهم قضوا على هذه النفس ، إذ جاهدوها وجميعهم يتوق لله ، ومن يريد الله لا يتنازع . منشأ جميع النزاعات والخلافات هو أن هذا يريد شيئاً لنفسه ، والاخر يريد شيئاً آخر لنفسه ، وهذان الشيئان يشكلان تزاحماً بينهما . هذا يريد أن تكون السلطة لنفسه ، وذلك أيضاً يريد أن تكون له . فيتزاحمان ، وتنشأ الحرب . وتخلّق الناس بأخلاق الأنبياء التي نزلت جميع الكتب السماوية لتربية الإنسان وتوطينه على هذا الخلق ، لما ظهر خلاف ، ولحلّ ما ظهر منه وعاد الجميع أخوة . كما وصف القرآن الكريم الجميع
هامش
( 1 ) سورة البقرة / الآية 257 .
( 2 ) سورة الشعراء / الآية 3 .