تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 381

مساهمون:

ص٣٨١
الفرق بين مدرسة الأنبياء وسواهم لو لم يكن لنا تربية ولا تعليم ، التربية التي جاء بها الأنبياء ليتّبعها غير الأنبياء . وقبالتنا طريق واحد يجب أن نسلكه قهراً غير ملتفتين ، وذاك الطريق هو طريق الأنبياء الذي يجب أن تسلكوه ، فهو الصراط المستقيم المنتهي إلى ما لا نستطيع أن ندركه الآن . هذا ما جاء به الأنبياء . ومدرسة غير الأنبياء لا اطلاع لها على ما وراء الطبيعة ، فكل اتجاهات هذه المدرسة لا تتجاوز الطبيعة ، بينما مدرسة الأنبياء تمضي إلى ما وراء الطبيعة ، وهو ما لا يُطرح في مدرسة غير الأنبياء ، بلى ، يقولون : كذب . إنسان لا يعرف ما وراء الطبيعة أصلًا ، ويجلس جلوساً في غرفته ويقول لا ، لا وجود . له . والأنبياء يعرفون السبيل ، ومن أين يجب الذهاب ، وكيف . فالطريق الذي لا يخطّه الأنبياء ، ولا تنيره تعاليمهم لا يمكن أن يوصل الإنسان إلى مقصده . الصراط المستقيم الذي يوصل الإنسان إلى مقصده إذا لم يكن صراط الأنبياء ، فهو معوج يذهب إلى هذه الناحية ، أو تلك الناحية . بينما يهدينا الأنبياء إلى الصراط المستقيم ، ويُعلّموننا ما يصلنا بذاك العالم ويُربّينا عليه ، وهو لهذا العالَم وذاك العالم ، لا أنّ الأنبياء لا علاقة لهم بهذا العالم ، فهم ليسوا معارضين لكل شيء ولا مخالفين له على ما تقولون ولكنهم مخالفون للتعلّق بالدّنيا . فهذان أمران يخطئ البعض فيهما . مخالفة الإسلام لِحبِّ الدنيا لا للتحضُّر أولئك الذين يريدون أن يعيبوا الإسلام يقولون : هو مخالف لكلّ تحضّر ، الإسلام مخالف لكل تحضّر . وهذا وهم . الإسلام غير مخالف للتحضُّر أصلًا . الإسلام هو الذي أوجد التحضّر ، ودامتْ حضارته ستمائة سنة أو سبعمائة تقريباً ، وَحَضَّر أكثر أرجاء المعمورة مع أنه لم يكن الإسلام الصحيح . ليس الإسلام مخالفاً للتحضّر ، إنما للتعلق بالدنيا وحبس الفكر عليها . فيأبى أن تكون آمالنا وأمانينا كلّها دنيويّة ، ويصير همّنا علفنا ، وتغدو همّتنا كلّها أن نأكل طيّباً ، وننام حسناً ، ونتمتع جيّداً ، هذا هو التعلّق بالدنيا ، وهذا هو حظ الإنسان الذي همّه علفه ، وهو ما يأباه الإسلام الذي يدعو للتحضّر في أسمى معانيه ، وهو موقوف على المعنويّة . لقد قبل الأنبياء كلّ مظاهر التحضّر ، لكنهم هذبوه ، فلم يدعوه طليقاً ، فلم يقمعوا الشهوات ، وإنما قيّدوها ، نظموا الانطلاق والحريّة . راجع أحدُهم في العهد السابق ظريفاً من معارفنا في الشؤون الجِنسيَّة ، وقال : " هذه قد حُلّت " . فقال الظريف : " أجل قد حلّتها الحمير في بدء الخليقة ، فالحريّة التي تنادون قد حُلّت ، تلك الحيوانات كانت حُرَّة في الزمن الأوّل ، فجاء الأنبياء وَحَدّوا هذه الحريّة ، ولم يُخالفوا أصلها ، بل دَعَوا إليه ، وحفظوه بالزواج ، وأثنوا على الزواج كثيراً ، لأنه إذا حصل ارتفع الانحراف . فالأنبياء يُهذِّبون الغرائز ، ويقمعون مراكز الفساد والفحشاء ، ولا يمعنون الاستمتاع السليم ، فهو طبيعي ، ويجب أن