ماله ، وأشقوا أنفسهم .
فتوح الانطلاق وبلوغ الكمال
كان الأنبياء يديرون الممالك في الوقت الذي يديرون فيه الدنيا ، ومثالها البارز قريب منّا ، والتاريخ يري أنّهم المؤمنين فتحوا الدنيا في نصف قرن وما لهم تعلّق بالدنيا ، فليس الفتح في الإسلام للتملّك ، وليس أخذ البلدان في الإسلام للحكم ، فلامكان للجور فيه ، وإنما الفتح لإيصال الناس إلى الكمال . ففتوح الإسلام غير فتوح الأنظمة الأخرى ، ففتوح تلك الأنظمة للدنيا ، وفتوح الأنبياء لله ابتغاء تذكير الناس بربّهم ، فهم يريدون أن يجعلوا الناس الأسرى للمادّة والنفس والشيطان في نورهم ومدرستهم ، ويُخرجوهم من حزب الشيطان إلى حزب الله ( اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخرِجونهُمْ منَ النورِ إِلَى الظّلمَات ) « 1 » .
فهذان جانبان ، هاتان جبهتان : جبهة الله ، وجبهة الطاغوت . جبهة الطاغوت هم اللاجئون إلى الله المؤمنون به ، والله - تبارك وتعالى - يخرجهم من جميع الظلمات ، ويوصلهم إلى النور ، وذلك النور هو نور الحقّ ذاته القائل عن نفسه : ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) « 2 » فهو يخرجهم من كل ظلمة ، ويوصلهم إلى نوره ، يوصلهم إليه - سبحانه - والطاغوت يخرج الناس من النور إلى الظلمات ، وهي ( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) « 3 » . هذان طريقان : طريق الأنبياء ، وطريق الطاغوت ، وطريق الأنبياء طريق الله ، والله وليّ ، والله فاعل ، وبيده يُرَبَّى الإنسان . وطريق الطاغوت طريق الشيطان الذي يُربّي الإنسان .
العلم والعروج اللامتناهي
انتبهوا أعزّائي لتدخلوا في جند الله ، فالدرس وحده لا يدخل الإنسان في جند الله . العلم وحده - العلم القانوني خاصّة - لا يوصل الإنسان إلى مراتب الإنسانية . يجب أن يكون ، لكن يجب أن يقترن باللجوء إلى الغيب . ادرسوا الغيب . بدأتم من الصفر ، وآمل أن تمضوا إلى اللامتناهي ، امضوا إلى حيث لا ترون غير الله ، وترون كل شيء منه ، وكل أحد مظهراً له . فإذا حظي الإنسان بمثل هذه التربية صار الناس إلهيين . وليس للإنسان الإلهي حرب وقهر ، وما له نزاع ولا جدال ، وكل العِراك والصراع الذي يقع هو من الإقبال على الطبيعة . والمعارك التي وقعت في الإسلام إنما وقعت لإخراج الناس من الظلمات إلى النور . إنّ الحروب الإسلامية
هامش
( 1 ) البقرة : 157 .
( 2 ) النور : 35 .
( 3 ) النور : 40 .