النطفة وتصير إنساناً ، فالإنسان والنبات سيّان في هذا الامر يزرعان وينموان بالقوى التي جعلها الله تبارك وتعالى في الأرض وفي الرحم .
وهذا النبات نبات إلى الأبد وثمرته ثمرة نبات أيضاً ، أما جميع الحيوانات - ومنها الإنسان - ممّا لا يزرع في الأرض ، يرتفعون عن رتبة النبات ، ويجدون روحاً حيوانية ، ويمتازون على الموجودات النباتية ، ولكنهم جميعاً حيوانات ، وعندما تولد الحيوانات تنفصل عن موضعها ، وهذا امتياز ايضاً عن النبات . فإذا فصل النبات انتهت حياته فيما بعد ، أما الحيوانات فإنها تنفصل عندما يقتضي الامر وتكمل وجهتها النباتية وتظهر حالتها الحيوانية وتنقطع احتياجاتها عن الرحم وتأتي إلى هذا العالم .
وتشترك جميع الحيوانات في الأكل والنوم والشهوة ، ولا فرق بينها إلا في الادراك ، كالقرد الذي يدرك أكثر من بقية الحيوانات . ولكن الإنسان يختلف عنها في الادراكات وفي غايات الادراكات . إن إدراكات الحيوانات محدودة ، ولكن ادراك الإنسان واستعداده للتربية فغير متناهية .
إذن يشترك الإنسان مع جميع النباتات والحيوانات لكنه يزيد عنهم شيئاً وذلك أن للإنسان قوة عاقلة لا تمتكلها تلك .
الإسلام يتولى تربية الإنسان بكل ابعاده
فلو كان نمو الإنسان في مستوى نمو الحيوان فلم يعد حاجة للأنبياء . فالحاجة للأنبياء سببها ان للإنسان رتبة فوق الحيوانية وفوق العقل ، إلى أن يصل إلى مقام لا يمكن التعبير عنه ، واخيراً المقام الذي يعبر عنه بالفناء ، كذلك يعبر عنه ( كالألوهية ) ، وما هي إلّا تعابير ليس أكثر . ولا يمكن للبشر ان يتعهد بتربية جميع الأبعاد الجسمية والروحية والعقلية وما هو فوق عقل الإنسان ، لعدم اطلاع الإنسان على احتياجاته وكيفية تربيته فيما وراء الطبيعة .
فلو جنّد الإنسان كل قواه فان أقصى ما يستطيع فهمه هو هذه الطبيعة وخصائصها . حتى خصائصها لم يتمكن ان يتعرف عليها كلها حتى هذه اللحظة . صحيح ان العلم تقدم كثيراً غير أن لازال الكثير لم يكتشفه الإنسان بعد . ولكن مهما يكن فان ما يتمكن من التعرف عليه يعود إلى هذا العالم .
وما يمكن للبشر أن يدركه ويقع ضمن حدود إدراكه الطبيعي هو أنه يستطيع في وقت ما أن يدرك ويكتشف جميع مزايا عالم الطبيعة والأشياء المتعلقة بكمال الطبيعة ورقيّها ، لكن حدوده حدود الطبيعة لا أكثر ، وليس له اطلاع على تلك الناحية الأخرى ، ولا يعلم شيئاً عن كيفيتها ! وإذا سعى الإنسان إلى آخر عمره فإن كل ما يستطيع ان يفهمه يتعلق بالعلة والمعلول
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 125
مساهمون: السيد الخميني
ص١٢٥