النظام الشاهنشاهي أكثر من التهديد الذي تشكّله جبهة اليسار المعارضة ، فقد جعلت النظام يقف في مواجهة أخطار جدية .
نحن الآن في محضر آية الله ، في حجرة أبعادها 2 * 3 متر ، في منزل يقبع في أبعد نقطة من نقاط مدينة النجف ، المدينة التي تعد من الناحية الجغرافية من أسوأ المناطق الصحراوية في العراق .
ففي الطريق بين بغداد والنجف هبَّت عاصفة رملية راحت تتلاعب بسيارتنا ، وتنقلها أحياناً من مكان إلى آخر كالريشة ، حتى استقر بها المقام جثّة هامدة في كثبان الرمل . كان سائقنا يعتبر ذلك نوعاً من الغضب الإلهي ، فأخذ يتلو آيات من القرآن .
هنا حيث الأرض المقدّسة للمسلمين الشيعة ، نجد الله العادل ودعوته لنشر العدل والعدالة حاضراً وناظراً في كل مكان . فالنجف تحتضن مرقد علي ، الامام الأول وصهر الرسول ، وفي كربلاء مرقد الحسين الامام الثالث وحفيد الرسول ، ويستقر قبرا هذين الإمامين تحت قبتين طليتا من الخارج بالذهب الذي لا حدود للمعانه وسطعانه .
ومن الداخل أيضاً زيّن المرقدان بآلاف المرايا المضيئة ، وكان هذان الإمامان والأئمة من أبناء الإمام الحسين إلى الإمام الحادي عشر قد قتلوا جميعاً على أيدي الأمويين والعباسيين الغاصبين . ورغم ذلك ، فان هذه الثروة الظاهرية في قلب الفقر المدقع للبيئة لا تثير العجب ، بل هي في الحقيقة بحد ذاتها مؤشِّر إلى حالة انتقام أتباع الفكر الشيعي من غَصَبَة حق أئمتهم .
إن الاسلام الشيعي الذي يشكّل أتباعه 61 من المسلمين في العالم ، يحيا منذ عشرة قرون في انتظار الإمام الثاني عشر ، الامام الذي سيقيم حكومة الحق ، ويملأ الأرض قسطاً وعدلًا . وعلى الرغم من أن الأماكن المقدسة للشيعة تقع في العراق ، حيث يشكل الشيعة نصف السكان يتمركز الشيعة في إيران بشكل خاص ، ففي الحقيقة ان 93 % من مجموع 33 مليون إيراني هم من الشيعة . فهل الذي يتحكّم بهذه الجماهير الشيعية - التي باتت اليوم تؤمن بشدّة وإخلاص بتحرّكها - ويحكم إيران هو هذا العجوز الزاهد - آية الله الخميني - ، ويمتلك كل هذه القدرة ؟
فقد قام الشاه بنفيه من إيران عام 1963 وبعد مدَّة من النفي أمضاها في تركيا ، انتقل للإقامة في النجف ، ثم جاءت وفاة نجله المفاجئة لتفجِّر انتفاضات متتالية هزت إيران بين حين وآخر .
يقع المنزل المتواضع لآية الله الخميني في منعطف أحد أزقة النجف الضيّقة التي تتداخل بيوتها بنحو يقيها أشعة الشمس الحارقة ، ويشبه المنزل في تواضعه وبساطته بيوت فقراء النجف . إذ تضمّ غرفه الثلاث أكثر من اثنى عشر من المقرّبين لسماحته ، كما أن هذا المنزل المتواضع يخلو من أي مؤشر أو علامة تدل على قدرات زعماء الانتفاضة أو رؤساء الأحزاب المعارضة الذين في المنفى .
وإذا كان آية الله الخميني يتمتّع بالقدرة التي أهّلته لأن يتحكم بالشعب الإيراني وانتفاضته ، فمن المؤكد أنَّ هذه القدرة مستوحاة من حضوره القوي والفاعل في أفكار الشعب الإيراني ، القدرة التي تضاعفت عشرات المرات بدلًا من أن تتضاءل بعد نفيه من إيران . لم يتحدّث آية الله - الرجل الوقور القليل الكلام - حتى الآن إلى الصحافة العالمية مطلقاً ، ومن هنا كان هذا الحوار الذي أجراه مع صحيفة لوموند أوّل حديث صحفي لسماحته : ]
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 321
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٢١