على أية حال ، ليس متوقعاً زوال الحوزة ، الحوزة باقية على حالها ، وبغض النظر عن الجوانب المعنوية والإلهية فإن زوال الحوزات العلمية غير ممكن في الحقيقة حتى بالحسابات الطبيعية ، لأنها محط اهتمام جميع المسلمين ، وخصوصاً الشيعة منهم . وظهيرها الشعوب ، والذي تكن الشعوب ظهيراً له ، لن تستطيع الحكومات القضاء عليه . الحكومات اعمارها قصيرة ، وظهير النجف هو الشعوب العظيمة ، لذا فستبقى محفوظة .
يدرس حالياً في الحوزات طلبة من الأفاغنة والباكستانيين والهنود والعراقيين وبعض أبناء الدول الأخرى . فلا قدرة لهذه الحكومة - التي لا يمكن وصفها بالحكومة - على الوقوف بوجه كل تلك الشعوب ، وإن استطاعت الوقوف بوجهنا أنا وأنتم .
إذا أُبعد الإيرانيون المحترمون فإن على باقي الأخوة من البلدان الأخرى البقاء ، ومواصلة أداء مسؤولياتهم الدينية . إن مثلكم مثل الأفواج العسكرية التي تخوض حرباً ، فإذا هاجمها العدو وحقق انتصاراً على فوج منها ، ينبغي على بقية الأفواج الثبات في مواقعها ، وملء خنادق الفوج المنكسر ، وإلا فإن العدو يتمنى فرار الأفواج العسكرية الأخرى بانكسار أحدها ، وترك الميدان خالياً .
إن على الإخوة من باقي البلدان - والمتواجدين هنا - المرابطة في خنادقهم ، ومواصلة التحصيل العلمي ، وتهذيب النفس ، وحتى لو ذهب المراجع من هنا ، وذهبت أنا - باعتباري أحد الطلبة - فإن على سائر الاخوة البقاء هنا ، وأداء مسؤولياتهم .
طبيعي أن ذهابي يتم بناءاً على مصالح لعلها تخفى على الكثيرين ، إلا أنه ينبغي على بقية الاخوة البقاء ، وعدم إخلاء مواقعهم . فقد رأينا كيف اضطربت الحوزة العلمية في قم أيما اضطراب قبل مدة ، ثم رأينا كيف استقامت الأمور لعدة معدودة ممن كانوا عرضة للاضطهاد والكبت والعناء دوماً ، ولم يمر وقت طويل حتى عادت الأمور إلى نصابها ، فهزم الظالم وأصبحت الحوزة المضطربة في ذلك الوقت حوزة الخمسة أو الستة آلاف نفر .
أنتم غالبون ولستم مغلوبين ، ولو طالعتم تاريخ الظلمة والظالمين في العالم ، سترون أن الغلبة كانت للمظلومين دوماً ، فمع القدرة والطغيان اللذين كان عليهما " معاوية " والنفوذ الذي كان يتمتع به ، إلا أنه أضحى اليوم لا يعرف له حتى قبر في الشام نفسها التي كانت مركزاً لحكومته .
إن وضع أولئك الكسبة المساكين الذين عاشوا في العراق سنين طويلة يبعث على الأسف حقاً ، فليس لهم ما يربطهم بإيران ، لا أصدقاء ولا معارف ولا أقارب . وأنني آمل أن يحسن أبناء الشعب الإيراني معاملتهم وضيافتهم ، وإني لعلى ثقة من أن الشعب الإيراني المسلم النبيل سيكون عطوفاً مع ضيوفه وإخوانه . فليأووا هؤلاء التعساء ، وليوفروا لهم السكن والطعام والملبس ، وليسدوا حاجاتهم ، والأهم من ذلك كله ، فليرشدوهم ، فمنهم من لا يعرفون شيئاً عن أوضاع إيران .
وأنتم أيها الإخوة المحترمون العازمون على الذهاب إلى إيران أبلغوا الاخوة من أبناء الشعب الإيراني سلامي ، وانقلوا لهم رجائي إياهم اللطف في معاملة الاخوة المهجرين من العراق الذين يناهز عددهم المائة ألف نسمة ، والذين سيتوزعون على مختلف أنحاء إيران ، ومساعدتهم .
والسلام
صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 376
مساهمون: السيد الخميني
ص٣٧٦