تخطي إلى المحتوى الرئيسي

صحيفة الإمام ( تراث الإمام الخميني ) — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
باقية حتى عصرنا الحاضر - كان يعيش حياة بسيطة ، بل إنه حتى عند اعتلائه سدة الحكم كان يعيش حياة بسيطة ، تقل في مستواها عن حياة أمثالنا ، وأمثالكم أنتم يا طلاب العلوم الدينية ، لا بل أقل حتى من مستوى حياة هؤلاء الكسبة والباعة . فخبز الشعير الذي كان يأكله حتى في أواخر عمره كان يابساً إلى درجة أنه كان لا يتمكن من كسره بيده ، فيلجأ إلى تكسيره بمفصل ساعده ويأكله مع الماء - كما يروى - وكان ( عليه السلام ) يقول " . . . ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة - لعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع - أوَ أبيت مبطاناً وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى . . . " . إن أعظم نازلة حلت بالاسلام هي سلب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) حكومته ، وعلينا أن نتجلبب بالحزن على تلك النازلة أكثر من الحزن على واقعة كربلاء ، فالمصيبة التي حلت بأمير المؤمنين ( عليه السلام ) وبالاسلام ، أجل وأشد من تلك المصيبة التي حلت بسيد الشهداء ( عليه السلام ) ، فهي " أعظم المصائب " التي حرم الناس بسببها من إدراك المعنى الحقيقي للاسلام ، الذي يعيش اليوم حالة من الغموض والابهام . فالناس يجهلون اليوم معنى الاسلام ، ومعنى الحكومة الاسلامية ، وحقيقة الأهداف التي يسعى إليها الاسلام ، وماهية برامجه في الحكم . إن سقوط حكومة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) - والتي ناهز عمرها الخمسة أعوام ، ومع كل ما رافقها من مشاكل ومتاعب ، ومع كل ما تحمّله أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من معانات - يعتبر مصاباً عظيماً إذا نظرنا اليه من جانب . كما أن تلك الأعوام الخمسة تحتم على المسلمين الاحتفاء بها مدى الدهر ، الاحتفاء بحكومة يتمنى رئيسها والحاكم فيها - أمير المؤمنين ( عليه السلام ) - الموت لاحتمال تعرض ذمي أو ذمية لسرقة خلخالها في أحد أطراف بلاده . فمن أجل هذه الحكومة ينبغي للناس إقامة مراسم العزاء على رحيلها ، والاحتفاء بالسنوات الخمس من حكومته لأنها كانت حكومة من أجل العدل ، ومن أجل الله . لابد من الاحتفاء بمثل هذا الحاكم الذي يتساوى مع رعيته ، بل يتدنى مستوى معيشته عن الجميع . يتحلى بمعنويات تفوق الآفاق جميعاً ، في حين يتدنى مستوى معيشته عن جميع أفراد أمته ! . ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم ) . هذا هو الميزان . فمن يكون قريباً من المستوى الحيواني في ممارسة اشباع غرائزه وفي مأكله وفي تحقيق منافعه في الدنيا ، وجاءت منه هذه اللذائذ ، هو كالحيوان . فالحيوان لا يأبه طبعاً أحلال ما يأكل أم حرام ، ولا يهمه ما تعانيه الأمة من مشاكل . فأولئك الذين يتمتعون ويأكلون دون أدنى اكتراث ، ودون أدنى ضابط أو قانون ، دون قانون من الاسلام ، أولئك مأكلهم حيواني ( والنار مثوى لهم ) ، ورد في الحديث " أن للكافر سبع معي ، وللمؤمن معدة واحد . . . . " « 1 » فليس للمؤمن سوى معدة واحدة ، وهي معدة يقيدها القانون ، فبطن المؤمن وسائر غرائزه تخضع لضوابط الاسلام ، والمؤمن لا يتجاوز تلك الضوابط . أما غير المؤمن ، فإنه يأكل مدفوعاً ( بالشهوة ) دون الالتزام بضابط ما ، وتلك معدة واحدة ، ويأكل مدفوعاً ( بالغضب ) أو ( بالغضب وهوى النفس ) وهذه ثلاث معي ، وهي معاً ستة معي ، ثم بالجمع بين كل زوج من الثلاثة ، هوى النفس والغضب والشهوة مع بعضها ، فهذه سبعة معي . في حين أن المؤمن ليس له إلا معدة واحدة ،
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة ، ج 16 ، ص 406 .