بالقياس إلى المحرك - وهو أنها تحرك لا عن تسخير قاسر إياها - بل بذاتها على وجه يوجب الحركة - إن لم يكن مانع - وثانيهما بالقياس إلى المتحرك - وهو أنها تحرك الجسم المتحرك بذاته - لا عن سبب خارج - ويراد بقولهم لا بالعرض أيضا أحد معنيين - أحدهما بالقياس إلى المحرك - وهو أن الحركة الصادرة عنها لا تصدر بالعرض - كحركة الساكن في السفينة - والثاني بالقياس إلى المتحرك - وهو أنها تحرك الشيء الذي ليس متحركا بالعرض - كصنم من نحاس - فإنه يتحرك من حيث هو صنم بالعرض - والطبيعة بهذا
هامش
الأقطار على نسبة مخصوصة والثمار في الألوان من الخضرة والبياض إلى السواد فيتحرك العناصر على تلك النسبة والثمار في تلك الألوان ، والحركة انما هي مستندة إلى العناصر والثمار أولا وإلى النفس النباتية ثانيا .
واما الكيفيات فهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة تخدم القوى في تحريكاتها على ما فصلت في الكتب الطبيعية . فان قلت : الطبيعة انما يحرك الجسم بواسطة الميل فلا يكون مبدء أول . أجاب بان الميل ليس بمتوسط بل آلة لها فان المراد بالمتوسط هي المتوسط المحرك فان النفس تحرك العناصر في الأقطار أو في الكيفيات بواسطة الطبائع وهي محركة أيضا . وقوله « ما يكون » احتراز عن المبادئ الصناعية كالبناء فإنه مبدء لحركات من الاجر والجص وغيرهما وكالنجار والصائغ فإنهما مبدئان لحركة الخشب وحركة المطرقة على الذهب والمبادئ الصناعية لا بد فيها من الشعور فيكون أخص من المبادئ القسرية . واعلم أن الحركة القسرية انما تتم بأمرين :
أحدهما القاسر ، وثانيهما طبيعة المقسور فانا نعلم بالضرورة ان الحجر هو الذي يتحرك إلى فوق وان الحركة صادرة عنه والقاسر لا يحرك الحجر بواسطة طبيعته فان الفاعل والواسطة لا يتخالفان في الفعل بل القاسر محرك أول وكذلك طبيعة المقسور بحسب تسخير القاسر . فان قلت : فاعل الحركة القسرية طبيعة المقسور لا القاسر والا لزم من انعدامه انعدامها بل هو من المعدات فهو خارج بقيد المبدأ فما الحاجة إلى إخراجه بقيد ما يكون فيه . فنقول : هذا وان كان هو التحقيق الا ان القاسر لما شابه في الظاهر المبدأ الفاعلي حتى سبقت أوهام العامة إلى أن البناء فاعل البناء مست الحاجة إلى الاحتراز عنه دفعا للوهم ، واما قوله « بالذات لا بالعرض » فنقول : في بيانه قد اعتبر في التعريف أمران : المحرك وهو المبدأ المتحرك وهو ما يكون فيه ، وقوله « بالذات » يمكن ان يتعلق بالمحرك حتى يكون تحريكه بالذات لا بحسب قاسر ، ويمكن ان يتعلق بالمتحرك حتى يكون تحركه بالذات لا عن خارج وبالجملة هذا القيد احتراز عن طبيعة المقسور فإنه مبدء للحركة القسرية وليس بمحرك بالذات بل بالتسخير أو في متحرك بالذات ولا تسمى طبيعة بهذا الاعتبار ، وكذلك قوله « بالعرض » يحتمل ان يتعلق بالمحرك حتى لا يكون تحريكه بالعرض ، وأن يتعلق بالمتحرك حتى لا يكون حركته بالعرض . وأياما كان فهو احتراز عن مبدء الحركة العرضية كطبيعة النحاس من حيث إنها صنم فإنها وان كان مبدءا قريبا لحركته الا انها ليست محركة له -