ومن هذا المنطلق أيضاً لو لم تتمّ الاستجابة لمطاليبهم فإنّهم قلّما يقبلون العذر في هذا المنع ، ويرون أنّ جميع الأعذار في هذا المجال غير مقبولة وغير مبررة وأحياناً يكون العذر أقبح من الذنب .
وفي الصفة السابعة والأخيرة يقول الإمام عليه السلام :
« وَأَضْعَفَ صَبْراً عِنْدَ مُلِمَّاتِ « 1 »
الدَّهْرِ مِنْ أَهْلِ الْخَاصَّةِ » .
لأنّهم عاشوا حياة الرفاهية والنعمة وقلّما واجهوا المشكلات والتحديات ، فلم يشتد لهم عود الصبر والاستقامة ، على عكس الجماهير الكادحة في المجتمع الذين تربوا في أجواء المشكلات والأزمات وبنوا ذواتهم في بوتقة المحن والابتلاءات فصاروا كالفولاد في القوّة والمتانة .
والحقيقة أنّه لا يوجد وصف أفضل وأبلغ وأكثر شفافية لهؤلاء القلّة من الخواص المغرورين بامتيازاتهم والذين يعاملون الناس من موقع الاستعلاء والفوقيّة ، ونعلم جيداً أنّ جميع هذه الخصائص والصفات ناشئة من تصوراتهم الموهومة عن امتيازاتهم الذاتية وحاجة الحكومة لهم وأفضليتهم على سائر طبقات المجتمع ، وهذه الأوهام والخيالات الطوباوية ، قادتهم إلى هذه المنزلقات والمتاهات .
أمّا خصائص الجماهير الكادحة في المجتمع الإسلامي ، وحسب تعبير الإمام عليه السلام عامة الناس ، فتتلخص في ثلاثة أمور : يقول عليه السلام :
« وَإِنَّمَا عِمَادُ الدِّينِ ، وَجِمَاعُ « 2 »
الْمُسْلِمِينَ ، وَالْعُدَّةُ لِلْأَعْدَاءِ ، الْعَامَّةُ مِنَ الْأُمَّةِ ، فَلْيَكُنْ صِغْوُكَ « 3 » لَهُمْ ، وَمَيْلُكَ مَعَهُمْ » .
ما أبلغ هذه العبارات وما أعمق مدلولها ، فلولا دفاع العامّة من الناس فإنّ أصول الدين وفروعه ستطوى في عالم النسيان ويصيب الخلل والإرباك مفاصل المجتمع
هامش
( 1 ) . « ملمات » من مادة « لمّ » على وزن « غم » تعني تجميع الشيء ، ثمّ استخدمت للحوادث الشديد والمؤلمة ، وكأنمثل هذه الحوادث تجمع فكر الإنسان وتلفت نظره إليها .
( 2 ) . « جماع » في الأصل مصدر وفي مثل هذه الموارد تأتي بمعنى الوصف يعني الجامع والمجمع .
( 3 ) . « صغو » تعني الميل إلى الشيء . « صغو » بفتح الصاد وكسرها تأتي بمعنى واحد كما ذهب إليه جماعة من المحققين .