قَبْلَكَ ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ » .
ثمّ يضيف عليه السلام :
« وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ » .
في هذا المقطع من كلام الإمام عليه السلام يشير الإمام من باب المقدّمة إلى وضع مصر ( وقطعاً لا ينحصر بمصر ) وأنّه قد كانت قبلك حكومات عادلة وجائرة ، الحكومة العادلة من قبيل حكومة مصر في عصر النّبي يوسف عليه السلام ، وأمّا حكومة الجور فتتمثّل في الكثير من الفراعنة منهم فرعون المعاصر للنّبي موسى بن عمران عليه السلام .
ثمّ يشير الإمام عليه السلام إلى هذا الموضوع المهم ، وهو أنّ معيار تقييم الحكومات من حيث العدل والجور يرتبط بأفكار عامّة الناس وتصوّرهم عن حكومتهم ، وهذا هو المتداول في هذا العصر من أنّ رأي الشعب هو الميزان ، رغم أنّ الغالب في مقام العمل لا يؤخذ به تماماً ، ولكن في ذلك العصر وعندما تحدّث الإمام عليه السلام بهذا الكلام ، قلّما كان شخص يعتقد بهذه العقيدة وكان الناس يتصورون أنّ الحكومة لا يمكن أن تتحقق وتدوم إلّابآليات الاستبداد ، والاستبداد بدوره مقترن بالظلم والجور .
وقد جاء في كلمات العلماء :
« ألْسِنَةُ الْخَلْقِ أقْلامُ الْحَقِّ »
أو
« ألْسِنَةُ الرَّعِيَةِ أقْلامُ الْحَقِّ إلَى الْمُلُوكِ »
وهما بمعنى واحد ، وهو أنّ كلام جمهور الناس يعتبر قلم الحقّ تعالى الذي يكتب توصياته ورسائله إلى الملوك والقادة ، أو أنّ اللَّه تعالى بهذه الوسيلة يخاطبهم ويكاتبهم ، وعلى أيّة حال فالغاية من ذلك أنّ الحكم الصادر من عامة الناس ومن الوعي الجمعي للُامّة هو المعيار الجيد لمعرفة قيمة الحكومات وصلاحيتها ومصداقيتها .
وطبعاً أحياناً تقوم الحكومات من خلال التبليغ الكاذب والتظاهر والرياء بتحريف وتشويش أفكار الناس ، أو تقوم بعمليّة غسيل الأدمغة ، ففي مثل هذه الموارد يكون الرأي العام مريض ويفقد أثره المطلوب في القضاوة .
ومهما يكن من أمر فمن الجدير بقادة المسلمين الحاليين أن يكتبوا بعبارة :
نفحات الولاية — صفحة 300
مساهمون: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
ص٣٠٠