ولعلّ الفرق بين الرحمة والمحبّة واللطف ، أنّ الرحمة تمثّل المرتبة الأولى من الصداقة وحسن الخلق ، والمحبّة في مرتبة أعلى منها ، واللطف يمثّل آخر مرتبة من التعاطف مع الآخرين ، وربّما يكون التفاوت في هذه المراتب بالنسبة لمواقع أفراد المجتمع والرعيّة ، فبعضهم يستحق الرحمة ، والبعض الآخر فمن هو أنفع للناس فإنّه جدير بالمحبّة ، والأشخاص الذين يخدمون الناس ويسعون في إيصال الخير أكثر فإنّهم جديرون باللطف .
وقد ورد في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال :
« لَا تَصْلُحُ الْإِمَامَةُ إِلَّا لِرَجُلٍ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ وَحُسْنُ الْوِلَايَةِ عَلَى مَنْ يَلِي حَتَّى يَكُونَ لَهُمْ كَالْوَالِدِ الرَّحِيمِ » « 1 » .
ويتحدّث الإمام عليه السلام في التوصية السادسة من موقع التأكيد على ما مرّ في التوصية الرابعة ويقول :
« وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً « 2 » تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ :
إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ » .
ولا شك ولا ريب في أنّ أركان الحكومة الصحيحة والمقتدرة والعادلة هي التي تمتد سيطرتها على قلوب الناس وعواطفهم لا على أساس القوّة والسيف ، فالولاة الذين يحكمون على قلوب الناس ويملكون عواطفهم فإنّ المجتمع يعيش الأمن والأمان ، أمّا من كان يحكم بآليات القوّة والقهر فإنّهم يعيشون هاجس الخطر دائماً .
ومن أجل تشويق مالك الأشتر على أمر الحكومة على القلوب والعواطف يأمر الإمام عليه السلام بالتعامل مع الرعيّة بلغة الرحمة والمحبّة واللطف ، ثمّ يبيّن الإمام عليه السلام النقطة المقابلة لذلك ، وهي الحكومة التي تقوم على أساس البطش والقوّة ويكون الحاكم فيها كالحيوان المفترس يأكل حقوق الرعيّة ويحسبها غنيمة له ، ثمّ يختار الإمام
هامش
( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 407 ، ح 8 .
( 2 ) . « ضارياً » تعني المتوحش ، من مادة « ضرو » على وزن « ضرب » وفي الأصل بمعنى الهجوم الشديد على شخصأو شيء ، ومن هذه الجهة أطلقت هذه الكلمة على هجوم الأغنام على الزرع أيضاً .