الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ وَلَا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً ، وَلَا دِينَ اللَّهِ قُوَّةً » « 1 » .
وفي هذه العبارة الواردة بصورة النهي يصدر الإمام عليه السلام أربعة أوامر : النصيحة لبعضهم البعض ، وحسن الخلق والسلوك مع جند الإسلام ، والسعي في طريق مدّ يد العون للرعية ، والعمل على مستوى تقوية دعائم الدين الإسلامي ، ومع الالتفات إلى أنّ المخاطب في هذه الجملة هم عمّال الخراج ، يتبيّن أنّ الواجب عليهم في مسير أداء مسؤوليّتهم ، الاهتمام بالتكاليف الأخرى الواجبة عليهم أيضاً .
وذهب بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ الجملة :
« وَلَا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً »
أنّ الأنفس هنا تعني ذات الشخص ، وذهب آخرون إلى أنّها تعني نفوس الآخرين ، والظاهر أنّ المعنى الثاني أنسب .
ومعلوم أنّ عمّال الخراج لو عملوا بهذه الوظائف الأربع ، أي أنّهم تحركوا في علاقتهم فيما بينهم من موقع التواصي والتناصح وكذلك تعاملوا مع الرعيّة وجنود الإسلام بآلية اللطف وحسن الخلق ، وعزموا في نيّاتهم على تقوية الدين الإسلامي وتوطيد الرسالة الإلهيّة ، فإنّ المجتمع الإسلامي سيشهد إزدهاراً كبيراً وتطوراً مهمّاً .
وفي ختام هذه الرسالة يبيّن الإمام عليه السلام آخر توصية لعمّاله على الخراج ويقول :
« وَأَبْلُوا « 2 » فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ « 3 » عِنْدَنَا
وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا ، وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ » .
وهذه إشارة إلى أنّ الاعتماد على اللَّه ضروري لتحقيق النجاح وكسب الموفقيّة
هامش
( 1 ) . وردت في بعض الروايات هذه الجملة وما بعدها في رسالة الإمام عليه السلام إلى قادة جيشه . ( من كتاب صفين لنصر بن مزاحم ، ص 125 ) ، والتعبير بالجند يتناسب مع هذا النقل .
( 2 ) . « ابلوا » ( من باب إفعال ) بمعنى السعي وبذل الجهد لأداء الشيء ، وأحياناً تأتي بمعنى الامتحان والاختبار أوالتحلل والانحلال ، وفي هذا المورد جاء بالمعنى الأوّل .
( 3 ) . « اصطنع » من مادة « اصطناع » بمعنى طلب الشيء ، وأحياناً تأتي بمعنى صناعة الشيء وتربيته ، وهنا جاءت بالمعنى الأوّل .